صاحب الغبطة يوسف
في مؤتمر دولي بدعوة من المؤسسة الالمانية لأجل السلام - ج. ك.
البطريرك غريغوريوس الثالث في مؤتمر عالمي للحوار:
أســاســيات أي حــوار كـلـــمــة الـلـــه
يعتبر البطريرك غريغوريوس الثالث لحام أن "مركزية الحروب واللااستقرار في منطقة الشرق الاوسط أساسها الصراع الفلسيطيني - الاسرائيلي، الذي هو في أصل الازمات التي تتوالد وترخي بأثقالها على العلاقات بين الشعوب والدول والانظمة التي تعمل في سبيل وضع أسس متينة لمشروع السلام واللقاء بين الحضارات والاديان والثقافات".
- فبدعوة من (المؤسسة الالمانية لأجل السلام) DINO، عقد مؤتمر دولي في مدينة مونسستر بالمانيا، تحت عنوان: "سوريا وجيرانها: كلٌّ ضد الآخر، أم عمل مشترك لأجل السلام؟"، شارك فيه ممثلون للأديان والقوميات بحثوا في التحديات التي تواجه عملية السلام في الشرق الاوسط انطلاقاً من الوضعية الدقيقة التي تحوط بالعملية السلمية والاشكاليات التي تعترض استكمال بناء العملية، من السياسات المعلنة وغير المعلَنة في الدول التي تشكل الفالق الامني في المسار الزلزلي للمنطقة.
... وتركزت محاضرة غريغوريوس الثالث، التي قدمها باللغة الالمانية، على توزيع تحديات السلام ومخاطر اندلاع نزاعات جديدة الى محاور مفصلية، هي بجوهرها النقاط التي تحكم المسار الشرق – اوسطي في ارتجاجاته الدائمة، والتي اصبحت من علامات التوتر التي تشكل عنوان العلاقة مع الدول وجيرانها في زمن التبدلات وتعدد الاستراتيجيات.
فانطلاقاً من مبدأ الانتماء والالتزام الذي يطبع انماط العناصر المتصارعة، والتي يُطلب اليها التحاور للخروج من الحرب الى السلم، يؤكد البطريرك لحام على ضرورة الانطلاق من المبادئ الدينية، والتعاليم الروحية، للمساعدة في عملية تخطي الصراعات والاتجاه الى هدفيات السلام، من مثل ما هو موجود، بأنماط تعبيرية ورمزيات منوعة، في التوراة والانجيل والقرآن. لأن اتباع الديانات يحتاجون الى عيش حالة (الحرية الدينية) لممارسة ايمانهم، مما يمكّنهم من ممارسة وطنيتهم بمسؤولية واندفاع واقتناع، لأن الحرية الدينية هي الدلالة الصحيحة الى نظرة الاديان نحو اتباعها، وهي السلوكيات الحياتية والايمانية التي يمارسونها وينطبعون فيها، وتنطبع فيهم. فخارج الحرية الدينية لا مجال للفكر الديني، ولا نجاح لأي عملية مقاربة بين الاديان والمؤمنين. ومن هنا يجب الاهتمام بحالة التواجد الحياتي واليومي، الكريم والمتعادل والمتكافئ حتى لا تكون مبادئ الدين والتعاليم الدينية والحوار مجرد نظريات، لأن ما يتحقق في واقع الحياة، بين ابناء البلد الواحد وأتباع الديانات المختلفة، هو الذي يساعد على حل الصراعات والنزاعات في المجتمعات التعددية التي تحمل عناصر تفجيرها بذاتها، ولا تؤسس للسلام الاّ بجهد تكاملي ونوايا صادقة بعيداً عن المخططات السياسية المرحلية او الثابتة. وعلى ذلك يعتبر غبطته ان (كلمة الله) او (الله الكلمة) هو اساس هام للحوار بين الجميع، ولها تأثيراتها العظيمة في عملية حل النزاعات وإنهاء الصراعات، وهذا ما دعا غبطته الى إطلاق فكرة (منتدى كلمة الله) forum parole de DIEU والذي يسعى لإقامته في منطقة الشرق التي هي الميدان والحقل الحقيقي لعيش كلمة الرب والتلاقي بين المؤمنين من اتباع الديانات، مشيراً الى انه سيُعلن عن إنشاء (قاعة للسلام) في المركز العالمي لحوار الحضارات والاديان والثقافات، بما يمثله ذلك من رغبة جادة بالدعوة الى السلام والعمل في سبيل تسهيل تحقيقه من أجل كرامة الانسان.
إن العمل معاً، أدياناً وطوائف ومذاهب، في سبيل القيم الانسانية وتذليل التحديات التي تواجه الناس بمختلف مذاهبهم، هو السبيل الأصح لتذليل الصعاب وتقريب المسافات بين المتباعدين. وهذا هو المدخل الوحيد لتعزيز العيش والتلاقي. وأكثر ما يتجلّى ذلك في لبنان وسوريا وفلسطين، التي تعتبر دولاً اساسية في عملية توصيف علامات الصراع في المنطقة، والسعي لحلها بالتعايش السلمي، الذي يتخذ فيها طابعاً مميزاً، بصوره ومنطلقاته ومعانيه الحوارية التي تحكمها علاقة المقبولية للآخر، وملاقاته الى منتصف الدرب بالارتكاز الى المستوى الثقافي والاجتماعي المتوازن، ونظراً الى توفّر الحرية الدينية، عقيدة وممارسة، خصوصاً ان القوانين الناظمة للاحوال الشخصية تحترم الحقوق والوضعيات والظروف الخاصة والعامة لكل جماعة وطائفة ودين، فضلاً عما يطبع هذه البلدان بسمة الانفتاح على الغرب، وتفاعلها الحضاري والثقافي والفكري مع شعوب وبلدان حوض البحر الابيض المتوسط وحضاراته العريقة والواسعة. ولعل المتبصّر في طبيعة وسلوكيات شعوب لبنان وسوريا وفلسطين يدرك جيداً ان الانسان المسيحي فيها يتمايز عن المسيحي في البلدان العربية الاخرى، كما المسلم فيها يتمايز عن المسلم في الدول العربية الاخرى، بفضل التفاعل العَيْشي والحواري الذي يعيشونه مع بعضهم البعض بخيار ارادي واسع.
ورأى لحام ان تمازج الحضارتين اليونانية والعربية واتصالهما بالحضارة اللاتينية مَكَّن المجتمعات الدينية المتداخلة، روحياً وحضارياً، من تكوين حضارة انفتاحية ساعدت كثيراً على اطلاق حالة الحوار الديني التفاعلي بين الشرق والغرب. وهذا ما يفرض عليها اليوم ان تكون مدعوة لتقديم نموذج جدي من التلاقيات التفاعلية المبنية على رواسخ ايمانية وحضارية.
ويصرّ غبطته على القول ان التعايش السلمي والحضاري بين الاديان السماوية، اليهودية والمسيحية والاسلام، كان قائماً في هذه المنطقة قبل انشاء الكيان الاسرائيلي الذي هو دولة انغلاقية لا ترغب بالتفاعل وتخاف الانفتاح على الآخر.
ان تراجع علامات السلام وتعاظم اشارات النزاع والصراع لا يزال يتجلى في الحروب والاحداث التي يشهدها العالم، بدءاً من حروب اسرائيل والعرب، مروراً بأحداث ايلول 2001، وحرب العراق وافغانستان وازمة دارفور، والحرب على لبنان وغزة والحصار الدائم للحق. وهذا ما يؤشر سلباً الى استمرارية التأزم المتفجّر الا اذا تداركنا جميعاً، دولاً وادياناً، ان فرص السلام لا تزال موجودة، وأنه علينا كلنا ان نسعى لتحقيق هذا الهدف. لأن السلام هو مسؤولية مشتركة وجامعة، وليس مسألة دولة واحدة أو رغبة شعب واحد، فالأديان يجب ان تكون عامل سلام، لا سبب صراع ونزاعات مفتوحة على تداعيات خطرة.
وختم: "شعاري الدائم هو: نحن وأنتم معاً نصنع السلام العادل والمبني على الحق".
سجّل المحاضرة د. جورج كلاس