صاحب الغبطة يوسف
محاضرة خلال المؤتمر في سلطنة عمان 2006
محاضرة غبطة البطريرك غريغوريوس الثالث لحّام
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والإسكندرية وأورشليم
للروم الملكيين الكاثوليك
سلطنة عُمان (نيسان 2006)
"الانتماء المسيحي العربي"
الله معكم!
هذه العبارة الشعبية القصيرة غنية جدًا وتحمل أكبر المعاني الإلهية والبشرية، وتختصر بطريقة رائعة كتبًا ومقالات في الفلسفة واللاهوت والعلوم البشرية...
وترادفها في لغة الإسلام عبارة "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته!" وهذا كان سلام يسوع لتلاميذه: "السلام عليكم! السلام لكم!" وهي السلام الليترجي المألوف: "السلام لجميعكم!"
وبهذه العبارات المسيحية والإسلامية أحييكم!
هذه العبارات تحمل أُمنية للمتكلِّم والمخاطَب كما تُعلن عن إيمان المتكلِّم وقناعته الدينية. محتوى هذه العبارات واحد: شعورٌ عميق بأن الله مع الإنسان، وقناعةُ الإنسان بعمقِ علاقته بالله. بها يفتتح خطابة وكلامه ولقاءَه مع الناس! انها عبارات وُجدانية إيمانية عميقة.
المسيح بتجسّده وميلاده أرسى أسّس لقاء الله مع الانسان، لأن اسمه عمانوئيل: الله معنا!
الفلسفة في كل عصورها وأشكالها تبحث دومًا عن نقطة اللقاء بين الفكر المجرد والمادة الكثيفة، وفي آخر المطاف كيف يمكن أن يلتقي الله بالإنسان.
ويسلك اللاهوت السبيلَ نفسه على نور الايمان إنّه علمُ اللقاء مع الله، ولقاءُ الله مع الإنسان.
وهذا هو هدف كل دين وفِقِهٍ. ويقول يوحنا نفسه في انجيله: "هكذا أحب الله العالم حتى إنه بذل ابنه الحبيب، لكي لا يموت كلُّ من يؤمن به بل تكونَ له الحياة الأبدية" (يوحنا 3- 16 ) وتُحوِّرُ صلواتُنا هذه العبارةَ فتقول مخاطبة الآب: "لقد أحببتَ عالمكَ" (أنافور القديس يوحنا فم الذهب)
فاللقاء ينطلق من المحبة. فلا لقاء بدون محبة. ولا محبة حقيقية الا وتقود إلى اللقاء.
المجمع الفاتيكاني الثاني الذي هو الموسوعة المسيحية الكبرى في القرن العشرين، أصدر وثائق كثيرة وفتح آفاق الكنيسة والمسيحية والمسيحيين على الإنسان والمعتقدات والعالم بكل فئاته والكونِ بكل موجوداته. في كل هذه الوثائق دعوة إلى لقاء الإنسان، الآخر، العالم، الحضارات... وإلى اكتشاف الآخر وما لديه من خيور وثروات...
القديسون هم رجال اللقاء. وحتى النساك الذين اختاروا حياة النسك والزهد واعتزلوا العالم وعاشوا في القفار والنسك والأديار النائية... كانوا هم أيضًا رجال لقاء وحوار. لا بل إنهم حوَّلوا القفار إلى مدن، وجعلوا من الأديار مناراتِ علمٍ وأدبٍ وفن، ومنتدياتٍ للفكر وأمكنةَ لقاء وتبادلٍ ثقافي وحضاري، من خلال الكتب والمؤتمرات والفن المعماري والزراعي والصناعة والمهن والحرف...
أرضنــا أرض اللقــاء
أيُّها الأحباء!
أرضنا العربية كلُّها أرض الوحي! والوحيُ هو أول لقاء! أرضنا وبلادنا العربية أرض مقدسة. فهي مهد الحضارات والايمان.
في أرضنا التقت إيحاءَات الله للبشر! فوجب على البشر أن يتلاقوا. هذه خبرة السماء! وهذه خبرة الأرض! وهذا أمر الله "لقد خلقناكم امما وشعوبًا لتعارفوا" ويقول السيد المسيح: "وأنتم جميعًا إخوة" (متى 23: 8)
والكاهن والمطران ورجل الدين والشيخ، هو رجل حوار ولقاء. هذا اختصاصه الأساسي. ولا يمكن أن يقوم بأي واجب من واجبات خدمته ورسالته، اذا تقوقع على ذاته.
ومن علامات الكنيسة تحديدها أن تكون كنيسة جامعة، كنيسة على الطريق، كنيسة الحوار، كنيسة اللقاء.
نظرة إلى المسيحيـة
في اعتقادي وبالحري في خبرتي المسيحية، المسيحية ليست هوية، وليست قومية. وحتى ليست جماعة، وحتى ليست كنيسة بمعنى المؤسسة، مع العلم أن المسيحيين يجتمعون في مجموعة اسمها كنيسة. السيد المسيح إلهي ومخلصي، لم يأتِ ليؤسس دينًا أو أمة أو جماعة أو مجتمعًا مقابل أو مكان مجتمعات أخرى.
السيّد المسيح تعدّى كل القيم، وكل المقولات، وكل المقاييس، وكل النِّسب وكل نَسَب، وكل الحواجز بين أرض وأرض، ووطن ووطن. وفريق آخر، وجماعة وأخرى، وقبيلة وأخرى، وبين دولة واخرى، وبين جنس وآخر أو عرق وآخر.
كما قال بولس الرسول: "في المسيح يسوع لا يوجد ذكر ولا أنثى، ولا عبد ولا حرّ، ولا يهودي ولا إسكوتي... بل الجميع واحد في المسيح" (غلاطية 3: 28)
المسيحية هي الخليقة الجديدة، وهي على مثال السيد المسيح تتعدّى كل الأطر أو المقولات التي تحاول حصرها في تفكير فلسفي فئوي، أو ثقافي أو قومي أو حزبي. المسيحية بالحري شيئ آخر، مفهوم آخر جديد. وهذا سرُّ سموِّها. وهكذا القول عن الإسلام الحقيقي، وهذا معنى الآية: "انتم خير أمة أخرجت للناس". هذا لا يعني التفضيل بَل السموَّ المطلق. وهكذا القول عن كل دين في معناه الحقيقي. وهكذا القول عن اليهودية الحقيقية: إنها دين الأنبياء الذين كانوا يدعون اليهودَ إلى تخطِّي حدود أرضهم وأسباطهم وعقليتهم وانزوائهم وتكابرهم وتكبرّهم!
وهذا يعني أن المفهوم الحقيقي للدين لا يُجيز لكَ أن تقول حتى عبارة: ديني... دينكَ! وربما هذا هو معنى الآية القرآنية (سورة الكافرين): "لي ديني ولكم دينكم!" دينكم (حسب عقليتكم البشرية) يَحصرُكُم، يُقيِّدُكم، يقزِّمكُم، يفرِّقكم، يُشرذمُكم... أما ديني الذي أبشرّكم به، فهو يرفعكم، يرتقي بكم، يوحّدكم، يجمعكم، يربط فيما بينكم...
الإنسان هو الأساس
واذا كان إيماني حقيقيًا صافيًا نقيًا، فيمكنني أن أخاطب الآخر بلغته وعقليته بدون معرفة دينه، أخاطبه كما يخاطب الله الناس، الانسان، لأنه يعرف ما في الانسان، يعرف الانسان، يحبُّ الانسان. لأن المعرفة هي الحب والحب يقود إلى المعرفة...
الإنسان هو الاساس. مخلوق على صورة الله ومثاله.
هذه هي الصفة الأولى والجوهرية والأساسية وبهذه الصفة نحن مثل آدم: عراة!
ورق التين يأتي لاحقًا...
ورق التين هو اللون، والعرق، والجنس، والجغرافية، والتاريخ، واللغة، والحدود والجوازات... وأيضًا الدين، والمعتقد، والعادات، والمجتمع والصفة والمهنة والعائلة، والطرقات التي تجمع أو تفرّق.
وبهذا المعنى فإنَّ المسيحي الذي أصبح حقًا خليقة جديدة، لا يمكن أن يتقوقع على ذاته، أو يحصر نفسه في فريق، في جماعة، وحتى في كنيسة. وأنا كمطران أو بطريرك مسيحي عربي، لست للمسيحيين فقط، أنا إنسان ولأجل أخي الإنسان، لكي أحمل إليه الإنجيل ليس وكأنه انجيلي، أو إنجيل جماعة محصورة... بل أحمل اليه الإنجيل بمعناه الأصيل الأصلي: بشارة جميلة، روحية، شاملة، عالمية.
كنيسة مع الآخر
في هذا الجزء من لقائي بكم أحب أن أحدِّثكم أيها الأحباء عن فحوى رسالتي الميلادية للعام 2004 بعنوان "عمانوئيل، الله معنا". ومن خلالها أحاول أن أرسم لكم أهمَّ جوانب معنى حضور الكنيسة في المجتمع. فالكنيسة هي في العالم وليست من العالم. ولكن لها دورها الثابت في العالم.
كنيستنا الرومية الملكية الكاثوليكية، ويجوز أن نقول كل كنيسة في هذا المشرق العربي، هي مثل معلمها ومؤسسها السيد يسوع المسيح كنيسة مع ولأجل، وهو الذي قال: "أتيت لكي تكون لهم الحياة وتكون لهم بوفرة" (يوحنا 10:10).
من هنا تشتق عبارات كنيسة مع الانسان ولأجل الانسان، وكنيسة العرب وكنيسة مع الإسلام وكنيسة الإسلام.
كنيسة مع الانسان
على المسيحي أن يتعدَّى ذاته وكنيسته ونفسه، لكي يكون حقًا "كاثوليكيًا" (يعني جامعًا). وعبارة كنيسة العرب والاسلام هي تعبير انثقافي لاحدى علامات الكنيسة في قانون الإيمان: أومن بكنيسة واحدة، مقدسة، جامعة (أعني كاثوليكية) أعني تجمع كل ثقافة، وحضارة ولغة وقومية وإتنية...
جامعة (كاثوليكية) يعني في المحيط العربي عربية، وفي المحيط الاسلامي اسلامية. ولذا يمكننا أن نزيد بالمعنى المجازي الى قانون الإيمان عبارة كنيسة العرب، وكنيسة الاسلام...
اذًا هذه العبارة ليست من النواقص، ولا الزوائد ولا الأمور الثانوية ولا المضافة ولا موضوع مغالاة. إنها عبارة-جزء من قانون إيماننا وعقيدتنا المسيحية. ولو كنتُ في الهند لقلتُ كنيسة الهنود وكنيسة الهندوسية والبوذية... ولذا يمكنني أن أقول كنيستي هي كنيسة الانسان، كل إنسان... وكنيسة للإنسان لكل إنسان... ولكلِّ زمان ولكلِّ مكان... كنيسة حقًا جامعة كاثوليكية. وفي شموليتها لا تفقد خصوصياتها، وفي نزولها إلى خصوصيتها لا تنسى جامعيتها وكاثوليكيتها.
كنيسة العرب وكنيسة الإسلام
إن عبارة كنيسة العرب تعني باختصار أن كنيسة السيد المسيح التي عاشت وتعيش في محيط عربي، هي في علاقة وثيقة مع هذا العالم العربي، في آلامه وآماله، وأفراحه وأتراحه وكل معضلاته وأزماته... إنها كنيسة "عمانوئيل" أعني "كنيسة- مع" و"كنيسة- لأجل" ومع المجتمع العربي، وفي المجتمع العربي. هذا ناهيك عن جذورها العربيّة وعروبتها عبر التاريخ والجغرافيّة. والأهم في ذلك ليس عروبة الكنيسة ولكن رسالة الكنيسة في المجتمع العربي. والواقع أن المجتمع العربي الذي تعيش فيه هذه الكنيسة العربيّة المزروعة في تربة عربيّة، والمبذورة في عمق تاريخه وجغرافيّته، هذا المجتمع العربي غالبيّته إسلاميّة. وفيه يشكل المسيحيّون خمس عشر مليوناً من أصل حوالي مئتين وستين مليوناً من البشر. ولهذا فإن كنيسة العرب، كنيسة المجتمع العربي، كنيسة العالم العربي، هي أيضاً كنيسة الإسلام، كنيسة المجتمع الإسلامي... كنيسة تعيش مع هذا العالم العربي والإسلامي، تتفاعل معه، تتألم معه، تفرح معه، تبني معه، ترجو معه، تؤمن معه، تحب معه، تخدم معه... إنها حقاً "كنيسة- عمانوئيل"، "كنيسة – مع - ولأجل".
ولهذا فإنّ كنيسة المشرق العربي، كنيسة العرب، كنيسة الإسلام، هي في مدرسة معلمها السيّد المسيح، عمانوئيل، الله المحبّة، الله الفداء، الله المخلّص، الله العطاء... وقد حدد أهداف تجسّده وميلاده قائلاً: "إن ابن البشر لم يأت ليُخدم بل ليَخدم وليبذلَ نفسه فداء عن كثيرين".(مر 10: 45) وقال:"لقد أتيت لكي تكون للناس (كل الناس) الحياة وتكون لهم أفضل". وقال بولس الرسول: "إن المسيح لم يرضِ نفسه" (رو 15: 3). وقال أيضاً: المسيح لا يعيش لنفسه. وقال يسوع لنا: "أنتم نور العالم! وهكذا فليضئ نوركم قدام الناس ليروا أعمالكم الصالحة ويمجِّدوا أباكم الذي في السماوات" (متى 5: 16).
هذه الآيات المقدّسة دعوة واضحة موجّهة إلى المسيحي لكي يخرج من ذاته، من عزلته، ومن قبيلته ("أخرج من قبيلتك...وانسَ شعبكَ وبيتَ أبيك"...) ومن كل ما يمكن أن يشكّل حواجز بينه وبين الآخر، لكي يلاقي الآخر ليكون هو أيضاً عمانوئيل... إنساناً مع ولأجل...
فنحن المسيحيين العرب إذًا في علاقة عميقة مع العرب والمسلمين في البلاد العربية: من لحمهم ودمهم، وإتنيتهم وقوميتهم وقبائلهم وحضارتهم وثقافتهم وتقاليدهم.
نحن إذًا كنيسةٌ تتعايش يوميًا منذ ألف وأربعمئة سنة جنبًا إلى جنب مع الإسلام، وتتأثر بالإسلام تأثيرًا عميقًا جدًا. وتتحمل هذه الكنيسة عبر التاريخ مسؤوليات جسيمة، قومية، واجتماعية وحتى حربية مع المواطنين المسلمين.
فلا يمكنك أنت المسيحي أن تجوز قرب أخيك المسلم في هذا الوطن، وكأنه غريب أو لا يعنيك! إنك في تخاطبٍ وجوديّ، مصيريٍّ يوميٍّ معه!
وعندما نقول "كنيسة الإسلام"، نعني بذلك جماعة المؤمنين المسيحيين الذين يتميّزون بعلاقة فريدة مع المسلمين. وكلنا نعرف أن خدمات الكنيسة قلما تميز بين مسلم ومسيحي.
"كنيسة الاسلام" تعني كنيسة، تاريخها، حاضرها وماضيها وحضارتها متصلة اتصالاً وثيقًا بالإسلام والمسلمين.
ونعرف كلنا الكمّ الكبير جدًا من الدراسات حول الإسلام قام بها مسيحيون محليون، ناهيك عن المكاتب الضخمة عن الاسلام عند الأجانب.
عبارة "كنيسة الإسلام" تعني اذًا ارتباط الكنيسة بالإسلام وجوديًا، ضميريًا، مصيريًا، حضاريًا، وحتى عقائديًا وروحيًا وراعويًأ. عبارة "كنيسة الإسلام" تعني المسؤولية المتميزة تجاه الإسلام والمسلمين.
كنيسة مع ولأجل
وننطلق من كنيستنا الروميّة الملكيّة لنكون "كنيسة عمانوئيل" في مجتمعنا البشري. هنا في بلادنا العربية وفي بلاد الإنتشار في العالم أجمع. ونريد أن نشدد على رغبتنا في أن تكون وتبقى كنيستنا "كنيسة بلا حدود" كنيسة "الآفاق" والتطلعات والانفتاح والتقدم والتطوّر... إنها كنيسة مع... ولأجل...
إن الفهم الحقيقي لمعنى اسم يسوع عمانوئيل ومعنى الكنيسة الخادمة، ومعنى كنيسة العرب، ومعنى كنيسة الاسلام... إن الفهم الحقيقي لهذه العبارات ولهذه الحقائق، هو ذو أهميّة بالغة الخطورة. وإذا لم يفهم المسيحي الشرقي، المسيحي العربي أنّ له دوراً وله رسالة وأنه ليس لذاته... فإنّ هذا المدعو مسيحيّاًً فَقَدَ معنى مهمًا من معاني مسيحيّته ومعموديّته وميرونه وأسراره المقدّسة وانتسابه الكنسي... وهو سيكون في مهب الريح... وهو مرشّح للهجرة... وهذه البلاد التي هي مسيحيّة في نشأتها ومولدها وجذورها، ستصبح متاحف بسبب هجرة أبنائها وأطلالاً وآثاراً ... يقال عنها: هنا عاش المسيح... هنا عاش مسيحيّون... هنا... أمس... ولكنهم اليوم اندثروا وهاجروا وأصبحوا أثراً بعد عين، وخسر مجتمعهم العربي الذين هم منه وله وجزء لا يتجزّأ منه، خسر هذا العالم إخوة وأنسباء وشركاء التاريخ العربي وصانعيه وصانعي الحضارة العربيّة، الإسلاميّة، والأدب العربي، والفلسفة والعلوم...
قناعات وجدانية
ليست هذه القناعات خيارًا حرًا، ولا خيارًا استراتيجيًا مرتبطًا بشروط وضع سياسي أو اجتماعي معيَّن. كلا انها قناعات روحية، عقائدية، إيمانية، وجودية، تنطلق من صميم ضميري وتفكيري وخبرتي المسيحية والإنسانية والرعوية... ومن ضميرنا وتفكيرنا وخبرتنا جميعًا!
هذه القناعات هي عامل مهم جدًا في بنية إيماننا، وفي اكتشاف معنى دعوتنا وجوهر رسالتنا كمسيحيين روم كاثوليك، أو بالعموم، في مجتمعنا العربي الشرق أوسطي... وبالنسبة لي هي شرط حيوي To be or not to be. وفي فكري كبطريرك، هي الشرط الاساسي في العمل لأجل الحدّ من الهجرة المسيحية المستشرية في كنائسنا.
هذه القناعات أحملها من خلال مواعظي، ومحاضراتي، هنا وفي العالم وفي المؤتمرات والأحاديث والمقابلات الصحفية والتلفيزيونية... وأعتبرها جوهرية وأساسية ومهمة جدًا لكي تساعدنا على فهم سؤال مطروح علينا جميعًا كرعاة، وبنوع خاص على مؤمنينا العائشين في خضمِّ مشاكل الحياة اليومية والمعاناة، والجهاد لأجل عيش قيم الانجيل، قيم إيمانهم، في عالم نكرز فيه بالعيش المشترك، والمعايشة والتضامن والحوار واللقاء والتسامح والمحبة، نابذين ما يراد لعالمنا أن يكون عالمًا منقسمًا عالم صراع الحضارات والديانات والثقافات... أجل هؤلاء المؤمنون يعيشون هذه الظروف والأحوال والمعاناة... ويحتاجون إلى جواب على سؤالنا وسؤالهم: ما هي رسالتنا وما هو دورنا في عالمنا العربي ذي الأغلبية الاسلامية! لماذا يجب أن نبقى هنا؟
دور المسيحـي العـربـي
السؤال المطروح بإلحاح وبتكرار وبشعور كبير مرهف، ليس فقط ما هي رسالتي كمطران في العالم العربي والاسلامي... بل بالحري: ما هو دور المسيحيي العربي في العالم العربي والاسلامي؟
هل نعيش في غيتو؟ هل ننْزَوي على أنفسنا؟ هل نؤلف وطنًا مستقلاً؟ هل نضع همّنا الأكبر في الحفاظ على وجودنا وحضورنا كطائفة أو ملّة (نظام الملة على عهد الأتراك)، أو جماعة مقابل جماعات أخرى؟ هل نركزّ اهتمامنا لكي نحامي عمَّا نسميه بأسف كبير "امتيازاتنا" أو "حقوقنا" أو "وضعا قائمًا"؟ هل نؤسس منطقنا المجتمعي على الخوف من المسلمين ومن الإسلام؟
هل نكتفي بحوار أجوف، أُلزمنا به، بواقع الحال، ولكن لا طائل تحته؟ أو ندخل في جدال ديني نريد من خلاله أن نقنع الآخر بإيماننا أو نردّه إلى ديننا؟ أو نخاف أن يردنا إلى دينه؟
أو يكون الجوابُ هو الهرب والهروب؟ الهريبة ثلثا المراجل! أيكون الجواب الهجرة؟ هذه الهجرة التي هي خسارة لمجتمعنا العربي بأسره، خسارة عربية، مسيحية وإسلامية سواء بسواء. إن التاريخ برهن أننا مدعوون إلى العيش معا. ونجحنا نجاحًا نسبيًا لا بأس به. ونحن مدعوون إلى المزيد من النجاح، والإنجازات في هذا المضمار.
مواطنون في العالم العربي
نحن المسيحيين مواطنون في العالم العربي. هذه صفتنا الاساسية. بدون زيادة ولا نقصان. فيه وُلدنا. ونحن جزء لا يتجزّأ منه. علينا تجاهه واجبات. ولنا فيه حقوق المواطن. ولا نقبل أن يكون لنا فيه امتيازات لأننا مسيحيون. كما لا نسمح بأن يمارس فيه تجاهنا تمييز ما، أو تفرقة على أساسِ قوميةٍ، أو طائفة، أو جنس أو دين، أو كنيسة. وهذا المطلب (عدم التمييز والتفرقة) نطلبه لذاتنا ولغيرنا سواء بسواء. كما لا نسمح أن تكون حقوق لفريق دون آخر لهذه الأسباب المذكورة. ونحن نعلم أن إيماننا المسيحي، كما نعلم أن الإسلام، لا يسمحان بأية تفرقة قومية، عرقية، اجتماعية، أو دينية. هذا الأمر يحرِّمه القرآن والانجيل سواء بسواء.
إن تأكيدنا أن صفتنا الأساسية أننا عرب، لا ينكره أحد، إلا الجاهل بتاريخ المنطقة وشعوبها. واذا لم نكن نحن المسيحيين عربًا، فجزء كبير جدًا من المسلمين ليسوا عربًا. والكثيرون منهم يعرفون أنهم من أصل مسيحي. فنحن عرب من معدن عربي، من العالم العربي، ولأجل هذا العالم العربي، لأجل هذا المجتمع العربي، والإسلامي، ولو لم نكن مسلمين. وربما اعتبرنا ذواتنا مسلمين، من منطلق منطق بولس الرسول الذي قال: "صرت للكلّ كلاً" (1 كورنثوس 9: 22). الإنجيل له مكانته البارزة في القرآن، حيث نقرأ: "لستم (في خطاب المسلمين) على شيء إن لم تقيموا التوراة والانجيل".
حــامـل رســالـة
وأتساءل، مَنْ غيري أنا المسيحي العربي، بلغتي العربية وفكري وأصلي العربي وتاريخي العربي وتراثي العربي وجغرافيتي العربية، وبياني العربي، مَنْ غيري ومَنْ مثلي يمكنه أن يشهد للإنجيل أمام إخوته العرب والمسلمين؟
أنا المسيحي العربي، ابن كنيسةِ العرب وكنيسةِ الإسلام عليَّ أن أحمل هذه الرسالة. عليَّ أن أشهد للإنجيل أمام أخي المسلم الذي أُحبُّه، بدون أن أجرح شعوره، ونفسه، وروحانيته وكبرياءَه، وهويته وقناعاته... بحيث تكون شهادة الإنجيل أمام أخي المسلم، فعل محبة مني له وتجاهه، كأن رسالتي شعاعُ نور، ولقاء حميم أخوي معه، باحترام عميق لحريته، ولكلِّ مكونات شخصيته.
خطــاب جـديد
المطلوب والمقصود تلاق ولقاء عميق بين المسيحية والاسلام واكتشاف متبادل، وفهمٌ متبادل لمفردات الانجيل والقرآن، ولمفاهيم المسيحية والاسلام، ولروحانية المسيحية والاسلام، ولغة المسيحية والاسلام.
اننا بحاجة مرارًا أيضًا إلى إعراب وصرف في المفردات والبنية والعادات وطرق التفكير والجدل والمنطق والفقه والاجتهاد.
كنيسة العرب هي ضمير العرب
وكنيسة العرب تعني اذن هذا التفاعل، والقناعة بمسؤوليتنا الكاملة تجاه عالمنا، الذي نحن منه وله.
وهذا يعني في الظروف الراهنة أن نقف إلى جانب اخوتنا في المشرق العربي، في الدول العربية، في الدفاع عن قضاياها في مواجهة الضغوط المفروضة عليها في التحديات التي تواجهها، بعد أيلول 2001، وحرب العراق، وفي قضية الصراع العربي – الاسرائيلئ، وفي قضايا الديمقراطية وحقوق الانسان، والحريات والكرامة والانفتاح والانثقاف والحوار الغربي-الشرقي.
يعني ذلك أن تكون كنيسة العرب ضمير العرب: ضميرًا مع العرب ولأجل العرب.
الحضور المسيحي في الشرق: مسؤولية مسيحية - إسلامية
إن ما كتبه الأمير بن طلال منذ عام أو عامين حول هذا الموضوع يجب أن يصبح برنامج عمل لكل مسلم، حاكم أو مواطن. يحتاج المسيحي إلى الشعور بالأمان والأمن والاحترام حتى يبقى وحتىيقوم برسالته ويلعب دوره، لأنه يشعر بأن له مكانًا في بلده وأرضه ووطنه.
جاء في كلمة الأمير طلال بن عبد العزيز: "عندما نتحدث عن وجود المسيحيين في العالم العربي نعني بقاءهم فيه. فهم من عناصر التكوين الأولى التي يمنع بقاؤها قيام بيئة تفترش التعصب والتطرف وبالتالي العنف المؤدي إلى كوارث تاريخية ... بقاؤهم ترسيخ للدولة العصرية المتعددة العنصر والمتنوعة في وحدتها ونفيٌ قاطع لعنصرية الدولة. بقاؤهم قوة لقضايا العرب في اتصالهم مع الغرب المسيحي اجتماعيًا، ثقافيًا واقتصاديًا. اما هجرتهم فقوة معاكسة وعُرضة لاستغلال بيئة تضيِّق مناخات الحوار والتواصل ... بقاؤهم، اخيرًا وليس آخرًا، هو منع لاستنزاف قسم مهم من الطاقات العلمية الثقافية والفكرية الخلاقة في العالم العربي، وهو أيضًا حرص أكيد على عناصر قوة اقتصادية في التجارة والصناعة والمال والتخصص المهني. باختصار، إن هجرة العرب المسيحيين في حال استمرارها هو ضربة عميقة توجَّه إلى صميم مستقبلنا. مهمتنا العاجلة منع هذه الهجرة وترسيخ بقاء هذه الفئة العربية في شرقنا الواحد، والتطلع إلى هجرة معاكسة اذا أمكن".
إنّ دورنا القيادي التوجيهي بالنسبة لاخوتنا وابنائنا المسيحيين ضروري ومهم جدًا. ولكننا ننتظر دور المسلم، المسؤول، والحاكم، والجار ورفيق العمل والدرب للمسيحي.
دعوة إلى الوحدة في العالم العربي
إنَّ إيماننا المسيحي بالتجسّد الموحِّد لا ينحصر في السعي نحو الوحدة بين المسيحييّن. فالتوحيد في الله يصبح حافزاً لتوحيد البشر. وتوحيد التجسّد يعني توحيد أهدافنا في مجتمعٍ نواجه فيه التحديات الواحدة: مسلمين ومسيحييّن. لا بل إن وحدة الله وتوحيد الله دعوة إلى وحدة البشر وتضامنهم وتعميق رباط المحبة بينهم.
علينا أن نتّحد! إن رسالة التجسّد التوحيدية هي ضرورية أكثر من أي وقت مضى في عالمنا العربي!
نحن المسيحييّن العرب العائشين في مجتمع عربي ذي أغلبية مسلمة، لنا دعوة خاصة من هذا القبيل، في مجتمع نحن منه وله، وهو منا ولنا.
علينا أن نعي أننا كنيسة عربية، وكنيسة العرب وكنيسة الإسلام، بسبب ترابطنا بهذا العالم العربي والإسلامي في ثقافته وحضارته وقيمه وسياسته واجتماعياته وكل مظاهر حياته على مدى 1400 سنة.
ونحن كلنا، مسلمين ومسيحييّن، بنوع خاص، نواجه مؤامرة رهيبة، لا يجوز أن نقع في أشراكها: مؤامرة تهدف إلى تفريغ الشرق من المسيحييّن، لأجل ضرب الشرق والغرب، ضرب المسيحييّن والمسلمين.
أجل لنا دعوة خاصة لمناهضة هذه المؤامرة الكبرى. علينا أن نحبَّ بعضنا بعضاً، علينا أن نتضامن ونتعاون. فيُجيرُ المسلمُ المسيحيَّ والمسيحيُّ المسلمَ. ويدافع المسلم عن المسيحيّ والمسيحيّ عن المسلم. ويُظهر المسيحيّ مسيحيّته في أجمل أوجهها، ويُظهر المسلم إسلامه في أحلى مظاهره.
ولنقل أمام العالم أجمع: إن الحلَّ هو إيماننا مسيحييّن ومسلمين. وإذا نجحنا في مواجهة هذا التحدّي بإيجابية وحزم وتصميم، نكون قد فتحنا فتحاً مبيناً، وحقّقنا نصراً أكيداً وأصبحنا مَثلاً للملإ في العالم بأسره. ونكون صانعي سلام وخلاص في عالمنا شرقاً وغرباً.
المسيحيون والمسلمون في الشرق العربي يواجهون معاً هذا التحدّي. والمسلمون العائشون في أوروبا وأميركا والمجتمع الغربي عموماً، هم أيضاً يواجهون معاً هذا التحدّي. وقد أثير الموضوع معي في أثناء مشاركتي في سينودس الأساقفة الكاثوليك في رومة، في تشرين الأول 2005، في المقابلات الصحفية والمختلفة، وفي محاضرة كبيرة ألقيتها في مدينة بياشنتسا (شمالي إيطاليا)، ومحاضرة ألقيتها في البرلمان البريطاني وفي جامعة لندن في تشرين الثاني 2005. وقد أثير الموضوع سابقاً معي في محاضرات ولقاءات في أوروبا وفي أميركا. وكلنا نسمع الأخبار ونتابع تطورات الخلافات القائمة في أوروبا خاصة حول انسجام وتأقلم المسلم في المجتمع الغربي مع الحفاظ على إيمانه وتقاليده...
أمام هذه الحقائق والتحديّات نتحقَّق من أهمية وحدتنا وتضامننا مع عالمنا العربي. لا بل إنه من أولويات كنيستنا العمل لأجل الوحدة في العالم العربي ولأجل خدمة العالم العربي. نحن منه وله ولأجله ولأجل تطوره وخدمته والدفاع عن دوره والتفاعل معه والتضامن معه ومع قضاياه... من واجبنا في كنيستنا أفراداً وجماعات ان نتعامل مع هذه الأفكار، كلٌّ في موقعه، وفي محيطه في الأبرشية والرعية والالتزام المهنيّ والمجتمعيّ والسياسيّ والثقافي.
إن ثمار التجسّد الموحِّد تطال العالم بأسره وشعوب الأرض بأسرها. وهذا ما ورد في إنجيل يوحنا عن يسوع: "سيموتُ عن الأمّة. وليس عن الأمّة فحسب، بل كان ليجمع أيضاً في الوحدة أبناءَ الله المشتّتين"(يوا 11: 51- 52). ولهذا فإنه من واجب المسيحييّن أن يكونوا دعاة وحدة عالمية وشاملة.
ولهذا فإنَّا نريد، من خلال هذا المنبر، أن نوجِّه دعوةً ملحّةً إلى ملوك ورؤساء دول العالم العربي كي يحقّقوا المزيد من الوحدة في ما بين هذه الدول، فتتمكن معاً من مجابهة التحديّات الخطيرة التي تهدّد وحدة شعوب المنطقة التي تجمع في ما بينها عواملُ وحدويةٌ فريدة، منها العروبة والإسلام، بالإضافة إلى اللغة والحضارة والتاريخ، وكونها بخاصة مقدّسة للمسيحييّن والمسلمين واليهود.
الشرف يلزم! إذا كانت بلادنا مهدَ الديانات، وإذا كنا نتباهى بأَّنا كلُّنا نعبد الإلهَ الواحد، فعلينا أن نحقِّق هذه الوحدة بين شعوبنا، كي نستجيب نداءات أجيالنا الشابة وتطلعاتها في الإيمان بالله والعيش المشترك والخدمة المشتركة والتضامن والكرامة البشرية والمواطنية وحرية الدين والمعتقد في مجتمع يزداد تفككاً. وفي العدالة والمساواة والأمن والأمان والاستقرار والسلام العادل الشامل الثابت الذي هو مفتاح السلام للعالم أجمع، وهو الضمانة لإطلاق مسيرة التحديث والتطور والازدهار.
تطالب البلدان العربية أميركا وأوروبا والعالمَ بأسره بأن يساعدوها في حلِّ الصراع العربيّ الفلسطينيّ الإسرائيليّ الذي يلفّ المنطقة بالعنف وهو في أصل كلّ ويلاتها وحروبها وأزماتها منذ نصف قرن. إنَّا من موقعنا كبطريركِ كنيسةٍ تشعر شعوراً عميقاً بتضامنها مع هذا العالم العربي، كما أشرنا إليه سابقاً، نعتبر أن تجاوز المصالح الإقليميّة الضيِّقة وتحقيق الوحدة العربية هي الكفيلة بإيجاد حلٍّ عادلٍ وشامل ودائم لهذا الصراع وتضمن مستقبلاً للعالم العربي وتلبي تطلعات الأجيال الطالعة فيه.
إنَّا نعتقد اعتقاداً أكيداً أن إيماننا، مسيحييّن ومسلمين، هو سلاحنا الأقوى اليوم وغداً، كي نحقِّق أهداف رسالتنا المقدسة ونحافظ على قيم إيماننا المقدس. كما أنَّا نأبى على أنفسنا أن تُعْتَبَر بلادنا موطنَ الأصولية والعنف والإرهاب والقتل والعداء والتطرف والحرب الدينية. هذه عبارات ومواقف منافية لقيمنا الإيمانية ولتراثنا وحضارتنا. وفي هذا كلّه الوحدة هي الأساس المتين لدفع هذه التهم التي تُلصَقُ بسهولة بشرقنا العربي.
إنَّا كلَّنا موحِّدون. ومن منطلق إيماننا علينا ألاّ نكتفي بدفع التهم التي تلصق بنا، بل أن نكون خلاَّقين في إيجاد الحلول للصراع العربي الفلسطيني الإسرائيلي، ولوضع العراق المأسوي الدموي المفجع، ولباقي الأزمات الاجتماعية والمجتمعية والاقتصادية والدينية والروحية التي تهدد مجتمعاتنا وأُسرنا وشبابنا ومؤسّساتنا التربوية وتطال كل قطاعات حياتنا في الوطن العربي الكبير.
ونحبُّ أن نشير هنا إلى اهتمام الكنيسة المشرقية بجميع طوائفها في خدمة قضايا العدل والسلام والمصالحة في منطقتنا. وقد وضع البطاركة الشرقيون الكاثوليك وثائق كثيرة في سبيل خدمة العدالة والسلام. وقد كان هذا موضوع اجتماعهم السنوي لهذا العام في عمان – الأردن (28 تشرين الثاني – 2 كانون الأول 2005) حيث تناولوا هذه القضية بنوع عام، وبنوع خاص في البلدان العربية وبخاصة في الأردن (البلد المضيف) وفي لبنان وسوريا ومصر والعراق.
من خلال ذلك كله تقوم الكنائس بدور مميَّز في خدمتها المسيحية، بأن تكون منتدى لتدارس قضايا البلدان العربية من منظار روحيّ واجتماعيّ وكنسيّ وحضاريّ وحواريّ، ومن خلال ذلك منبراً للدفاع عن القيم الإيمانية المشتركة بين المسيحيين والمسلمين، في العالم العربي وأمام المجتمع الدولي.
حضــارة المحبــة
اذا قلنا للمسيحي يقول لك يسوع: من ضربك على خدك الأيمن فحوّل له الأيسر، لا يعني ذلك أن نشجّع المسلم لكي يضرب المسيحي!
هذه الوصية هي قمة المحبة والتسامح، ولكنها تفترض تفاعلاً ايجابيًا في المستمع بحيث يتحوّل المجتمع إلى المزيد من المحبة والاحترام المتبادل والمساواة في الحقوق والواجبات. هذه الوصية هي دعوة إلى مجتمع تسوده حضارة المحبة.
وهذا يقتضي ويفترض تربية ايمانية عميقة عند المواطنين، من كل دين وطائفة. وبدون هذه التربية يختل توازن المجتمع دينيًا وسياسيًا واجتماعيًا، وتعود حلقة العنف والاضطهاد الديني والتمييز العنصري بكل أساليبه.
حضارة المحبة هي أن أحبكَ وأن تحبني. ولكنَّ وضعَ الشرط: أحبكَ إذا أنت أحببتني، سيفسد كل علاقة في المجتمع. أحبكَ بدون شرط، مجانًا. وآمل أن تحبني بدون شرط. هذه روحانية عظة الجبل، روحانية الإنجيل كلّه.
إن المهمة الملقاة على عاتقنا في المشرق العربي، هي أن نتحدّى الغرب بوحدة مسيحية إسلامية مشرقية حضارية إيمانية.
خــاتمـة
في هذه المحاضرة لم أسرد براهين علمية تاريخية على "عروبة" وعربية المسيحيين في هذه البلاد العربية...
إن بطون التاريخ زاخرة بهذه البراهين. ولكن قناعتي أن ما ينقص ليس الشواهد التاريخية والديموغرافية والجغرافية، والإتنية والقومية والقبلية... بل ما نحتاج اليه في سياق الكلام عن كنيسة العرب وكنيسة الاسلام، هو المحبة التي تجمع القلوب، وتجعل من كل انسان أخًا لي وصديقًا وقريبًا مواطنًا وشريكًا ومشاركًا. المطلوب من الكنيسة ليس فقط أن نخاطب الإسلام والعالم الإسلامي. المطلوب من الكنيسة، ومنا نحن أعضاء الكنيسة، أن نحب الاسلام والمسلمين من منطلق إيماننا، وليس فقط من منطلق عاطفي واجتماعي أو براغماتي. بحيث نبني معًا، مسيحيين ومسلمين، نبني معًا في أوطاننا العربية، حضارة المحبة.
غريغوريوس الثالث
بطريرك