صاحب الغبطة يوسف

تهنئة بعيد القيامة المجيدة 2009

١٢ ٤ ٢٠٠٩




تهنئة صاحب الغبطة البطريرك غريغوريوس الثالث
بعيد القيامة المجيدة

"لقد قمتم مع المسيح" هي البُشرى العظيمة في المسيحيّة! لأنَّها تأكيد لقيامة المسيح وقيامتنا معه! وأجمل هتاف ونشيد تصدح به حناجرُنا بأكثر ما يكون من الحماسة والاندفاع وبأعلى أصواتنا، هو نشيد القيامة المجيدة: "المسيح قام من بين الأموات، ووطئ الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور".
بولس هو المُبشِّر الأعظم بقيامة المسيح. إنَّه حقًّا رسول القيامة! ويؤكِّد لنا أنَّنا لسنا فقط نحتفل بقيامة يسوع المسيح، بل نحن قمنا مع المسيح، إنَّنا نحتفل بقيامتنا نحن أيضًا. ولذا يُحرِّضنا بولس الرَّسول قائلاً: "لقد قمتُم مع المسيح ف?طلبوا إذن ما هو فوق، حيث المسيح يُقيم جالسًا عن يمين الآب. إهتمُّوا لما هو فوق، لا لما هو على الأرض، لأنَّكم قد مُتُّم (للعالم) وحياتكم مستترةٌ مع المسيح في الله. ومتى ظهر المسيح الذي هو حياتنا، فحينئذٍ تظهرون أنتم أيضًا معه في المجد" (كولوسّي 3: 1-4).
القيامة هي موضوع "إنجيل" بولس. هذا ما خاطب به أهل كورنثوس في رسالته الأولى قائلاً لهم: "أُذكِّرُكُم الإنجيلَ الذي بشَّرتكُم به وقبلتموه، وأنتم ثابتون فيه، وبه تخلصون" (1كورنثوس 15: 1-2) فإنِّي قد سلَّمتُ إليكم أوَّلاً ما قد تسلَّمتُ أنا نفسي. أنَّ المسيح قد مات من أجل خطايانا على ما في الكتب. وإنَّه قُبِر، وإنَّهُ قام في اليوم الثّالث على ما في الكتب" (1كورنثوس 15: 3-4).
ونعلم أنَّ هذه الرُّؤية جرَت على أبواب دمشق، التي نعتبرها بحقّ ليس فقط مكان هداية بولس ورؤياه، بل هي أيضاً مكان ظهور المسيح القائم من بين الأموات لبولس. لا بل دمشق هي المكان الوحيد خارج فلسطين الذي ظهر فيه المسيح بعد قيامته من الأموات، لبولس ولحنانيا أوَّل مطران لدمشق.

لا صليب بلا قيامة! ولا قيامة بلا صليب!
        لكُلِّ صليبٍ قيامة! ولكُلِّ قيامةٍ صليب!
ترتبط القيامة بالصَّليب، والصَّليب بالقيامة: صليب فقيامة... وقيامة يسبقُها صليب. هذا ليس مُجرَّد "طقس ليترجي"، وعبقريّة ليترجيّة. بل هذا هو التَّعبير الأسمى لواقع الحياة ومترجِّيات الإنسان.
ونقول للإنسان، لكُلّ إنسان: إكتشِفْ في كُلِّ صليب بذورَ بدء القيامة، كما تكتشف في كُلِّ ظُلمةِ ليلٍ مطلعَ الفجر! وفي عُمقِ ألمِكَ، ثِقْ أنَّ القيامة لَكَ ولصليبِكَ.
والمسيحي ليس فقط يؤمن بقيامة السَّيِّد المسيح ويفتخر بها، ويُدافع عن حقيقتها، بل هو إنسان يؤمن أن يكون بدوره ?بنًا للقيامة، وعاملاً في سبيل قيامة الآخر، وأسرته، وأترابه، ومواطنيه، والمجتمع عموماً... بحيث يُحقِّق قول السَّيِّد المسيح: "إنَّما أتيتُ لكي تكون لهم الحياة وتكون لهم أوفر" (يوحنّا 10:10). لا بل عقيدة القيامة وإيماننا بها، يعني العمل اليومي في سبيل القيامة اليوميّة، في الحياة اليوميّة، ومن خلال حياتنا اليوميّة. ولذا لُقِّبَ المسيحيُّون الأوَّلون وبخاصَّةٍ في بلاد سوريا الكبرى، لُقِّبوا بكونهم "أبناء القيامة". فأصبحت القيامة نَسَبَهُم و?سم أسرَتِهم المسيحيّة، وجزءً لا يتجزَّأ من شخصيَّتهم وهويَّتِهِم!
فالقيامة تبدأ مع المسيح. وتبدأ هنا في حياتنا الأرضيّة، ولكنَّها تتحقَّق نهائيّاً بكمالها في السَّماء. وهنا نبني حضارة المحبّة، حضارة الحياة، حضارة القيامة. فالقيامة ليست فقط أساس إيماننا وهي في أساس معتقداتنا المسيحيّة، بل هي أساس خلقيَّتنا، والتزامنا في الكنيسة، وفي المجتمع، وفي الوطن، وفي المهنة، بحيث نكون صانعي قيامة، وخدَّامَ الحياة.
يتساءل بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس: "ولكن يقول قائل: كيف يقوم الأموات؟" (1كورنثوس 35:15). لقد حاولنا أن نشرح هذا التَّساؤل من خلال تعليم القدِّيس بولس. ونُحبّ أن نُجيب على هذا التَّساؤل الذي يدور في خَلَدِ وفكر الجميع وليس فقط في خلدِ البعض. وذلك من خلال رواية عن راهبَين كانا يتأمَّلان معًا ويتساءَلان نفس السُّؤال الذي يطرحه بولس: "كيف يقوم الأموات؟ وكيف تكون قيامة جسدنا؟ هل ستختلف حياتنا وأجسادنا هناك عن هنا؟ وهل الحال في السَّماء يختلف عمَّا نتصوَّره هنا أو هو غير ما نتصوَّره؟ أي هل هو اختلافُ كمٍّ أو شيءٌ آخر؟". وباللاتينيّة هل هو Qualiter أو Aliter ؟ وتعاهَدا أنْ من يموت قبل رفيقه سيُجيبُهُ عن هذا السُّؤال بعد أن يدخل السَّماء! ومات الرَّاهب الأوَّل وأرسلَ رسالةً مُقتضَبة لرفيقه الرَّاهب قائلاً: هو اختلافاً تماماً عمَّا هو تصوُّرنا على الأرض! وباللاتينيّة Totaliter Aliter !

عيدُ القيامة في سجنٍ شيوعيّ
إبَّانَ الحكم الشُّيوعي حدَثَ في أحدِّ السُّجون الكبيرة في موسكو وذلك ليلة عيد الفصح والقيامة المجيدة ما يلي: تعشَّى السُّجناء كالعادة السَّاعة الخامسة مساءً، وأُدخِلوا مهاجعهم المُشتركة الكبيرة الباردة. يُحاولون النَّوم ولكن عبَثًا. والحُرَّاسُ على مداخل المهجع. وقُربَ منتصف اللَّيل عند اقتراب إعلان بُشرى القيامة في الكنائس، وفي قلوبهم شوقٌ عارمٌ دفين أن يُشاركوا في هذه الفرحة، في كنائسهم مع عائلاتهم. وفي صمتِ اللَّيل الرَّهيب وعتمتِهِ الدَّامسة، إنطلقَ صُراخُ أحدِ المساجين بأعلى صوتهِ مُعلِناً كما يفعل البطريرك الرُّوسي في موسكو: "المسيح قام (وبالرُّوسيّة: خريستوس فوسكريسيه)" وانتصبَ مئاتُ المساجين على أسرَّتِهِم وأنشدوا معاً بمِلءِ حناجرِهِم: "المسيح قام من بين الأموات، ووطِئَ الموتَ بالموت، ووَهَبَ الحياة للذين في القبور". و?نضمَّ الحُرَّاس "الشُّيوعيُّون الأرثوذكس" إلى المساجين وأكمَلوا أناشيد القيامة كاملةً، واحتفلوا معاً بالقيامة داخل السِّجن!.

        عالَمُنا يحتاج إلى صرخة القيامة! إلى قناعة القيامة! إلى آمال القيامة! ونُصلِّي لكي تغزو عالمنا البائس آمالُ القيامة، فيُنشدَ البشر معًا آمالَهُم بالقيامة والحياة والسَّلام والفِداء والخلاص.
من دمشق مدينة هِداية بولس رسول القيامة، ومن سوريا حيثُ دُعيَ المسيحيُّون أوَّلاً مسيحيِّين، وأُطلِقَ عليهم أبناء القيامة. نتوجَّهُ بهذه الباقة الرُّوحيّة في عيد القيامة المجيدة إلى جميع إخوتنا الأساقفة الموقَّرين، وجميع أحبَّائنا الكهنة والشمامسة والرُّهبان والرَّاهبات والمُكرَّسين والمُكرَّسات وطلاّب الكهنوت، وطالِبي الحياة الرّهبانيّة والتَّكرُّسيّة، والعلمانيِّين المُكرَّسين خارج إطار الرَّهبنة، وإلى جميع أبنائنا وبناتنا في أبرشيّاتنا ورَعايانا ورهبانيَّاتنا وأديارنا المُقدَّسة، في البلاد العربيّة وفي العالم أجمع.
ونطلب إلى الله أن يبقَوا أُمناء لعهود معموديَّتِهم وهي عهود قيامة، وأُمناء للَقَبِهِم التَّاريخي "أبناء القيامة"، يعيشون القيامة في كُلِّ مرافق حياتهِم، ويَبعثون آمال القيامة في مُجتمعهم.
ونتمنَّى لبلدنا الحبيب سوريا، ولرئيسنا المفدَّى سيادة الرَّئيس الدُّكتور بشّار الأسد أن يكون له عيد القيامة، قيامةً وبعثًا وازدهارًا وتقدُّمًا وسؤدُدًا ونصرًا مبينا. وبخاصَّة نُصلِّي لكي يتحقَّقُ السَّلام في هذا العام المبارك، في فلسطين وفي العراق وفي شرقنا العزيز. ونهنئ جميع المسؤولين في بلدنا سوريا وجميع مواطنينا مسيحيِّين من كلّ الطَّوائف ومسلمين، ونتمنّى لهم قيامةً وحياةً متجدِّدة سعيدة، عامرة بالإيمان.
كما نُهنئ عالمنا العربي وقادته من ملوك وأمراء ورؤساء، بعيد قيامة السَّيِّد المسيح الذي يمتدح القرآن الكريم قيامته بالآية الكريمة: "والسَّلامُ عليَّ يومَ وُلِدت، ويومَ أموت، ويوم أُبعثُ حيًّا".
وليكن عيد القيامة، قيامةً وتطوُّرًا وازدهارًا في عالمنا العربيّ المحبوب، بجميع مواطنيه وطوائفه.
ومعاً نُنشد بلا مللٍ ولا كلل، مُعلِنين في العالم أجمَع بُشرى القيامة البهيجة: "المسيح قام! حقًَّا قام! ووَهَبَ الحياة للعالم".


   مع محبَّتي وبرَكتي


 

+غريغوريوس الثّالث
 بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والاسكندريّة وأورشليم
للرُّوم الملَكيِّين الكاثوليك