صاحب الغبطة يوسف

عيش الانسان لتقاليده كفيل بمحاربة اكبـر مشروع تقسيمــي 2008

١٥ ١٢ ٢٠٠٨




 

البطريرك غريغوريوس الثالث: عيش الانسان لتقاليده كفيل بمحاربة اكبـر مشروع تقسيمــي
واذا اغفلت اوروبا السلام فسينتهي العالم من بوابة الصراع الاسلامي- المسيحي
 

المركزية: رأى بطريرك انطاكيا وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام ان لبنان لم يكتشف رسالته الى الآن على الصعيدين العربي والدولي، معتبرا ان صعوبة النموذج اللبناني دليل على انه نموذج جيد كفيل برسم المستقبل الحقيقي للمنطقة ولافتا الى ان لا خلاف مسيحيا في لبنان وانما خلاف سياسي ينعكس على الساحة المسيحية. واذ اشار الى ان عيش المواطن اللبناني كما العربي تقاليده كفيل بمحاربة اكبر مشروع تقسيمي لتبرير وجود اسرائيل، اعتبر ان السياسات لا تقاوم بكلمات بل باعمال. واكد ان ما يتعرض له المسيحيون في البلاد العربية ليس اضطهادا بل واقعا سياسيا انعكس على وجودهم، مشددا على ان معالجة الوجود المسيحي تنطلق من اعتباره وجودا "مع ولاجل المجتمع العربي". واذ شدد على ضرورة اتحاد المسيحيين والمسلمين لابراز صورتهم الحضارية، اعتبر انه في حال اغفلت اوروبا العمل من اجل السلام فسينتهي العالم من بوابة الصراع الاسلامي- المسيحي.

كلام البطريرك لحام جاء في حديث الى "المركزية"، قال فيه ردا على سؤال عما اذا كان يترقب ميلادا جديدا للبنان على ابواب عيد الميلاد المجيد والسنة الجديدة: في البداية اود ان اركز على توارد الاعياد مع بعضها البعض وهذه ليست المرة الاولى. وفي هذا الاطار اود الحديث عن مصر التي ازورها مرة كل سنة. ففي العام الماضي جاءت الاعياد اكثر تقاربا من هذا العام وكنت في الطائرة على متن الخطوط الجوية المصرية حيث وزّع على الركاب كتيّب احتوى شرحا عن الاعياد الاسلامية والمسيحية مع صورة مسبحة وصليب، وهذا حصل في مصر، البلد الاسلامي الذي يضم 80 مليون مسلم و10 ملايين مسيحي اقباط.

انا أسرد هذه الواقعة لاقول ان البلاد العربية في المجمل ولبنان بنوع خاص يملك ميزات يجب ان تكتشف وان توضع في اطارها انطلاقا من الواقع الذي يعيشه الانسان والذي يشكل ببساطته العنصر الدعائي الاكثر فعالية للبنان بدل الكلمات والشعارات الرنانة.

واضاف: اذا نجح اللبنانيون في البقاء مع بعضهم البعض مسيحيين ومسلمين فبامكانهم التأثير على مستقبل السياسات العالمية التي تفرض على لبنان كما على البلاد العربية. ان السياسات لا تقاوم بكلمات بل باعمال. وشدد على ان عيش المواطن تقاليده كما كانت منذ القديم كفيل بمحاربة اكبر مشروع تقسيمي في البلاد العربية لتبرير وجود اكبر كيان يهودي صهيوني في اسرائيل، لافتا الى ان التقسيم يترجم بتباعد الناس عن بعضها البعض وهذا نوع من الاجرام يقتل الروح الموجودة في البلاد العربية، وقال: بالنسبة الى لبنان فان التحدي الاكبر والاهم هو كيف يصبح العيد الى قلب الانسان وليس فقط في المظاهر الخارجية، اما من الناحية السياسية فانا اتساءل ما اذا كان اللبنانيون جاهزين للاحتفال بالعيد ام انهم مأخوذون بمشاغل السياسة.

وردا على سؤال عما اذا كان اللبنانيون والعرب يعودون الى الماضي ليرتشفوا منه العبر، قال البطريرك لحام: انا ارى ان تراثنا العربي مهم جدا ويشكل تحديا كبيرا لم تعشه باقي البلدان. ففي اوروبا المسيحية قامت حروب شرسة اندلعت بين المسيحيين في الاساس، والحروب في مناطقنا لم تكن بشراسة حروب اوروبا. انا استرجع هذه المحطات لاشدد على اهمية النموذج العربي والنموذج اللبناني بالتحديد عبر العيش المشترك على الرغم من كل الصعوبات والصراعات. فصعوبة النموذج اللبناني تعني انه نموذج جيد يستند الى التحدي للاستمرار ويرسم المستقبل الحقيقي للبنان كما للبلدان العربية.

اضاف: ان التحدي الكبير امام البلدان العربية اليوم هو عيش الفسيفساء الذي فيه يجد كل انسان كرامته وشخصيته وهويته. ومعالجة الحضور المسيحي في الشرق يجب ان تتم من خلال المعادلة الآتية:"انت مسيحي في مجتمع وليس فقط مسيحي من ضمن جدران الكنيسة". فالمسيحي يذهب الى الكنيسة لينتعش ويتجدد وينقل هذه الروح الى مجتمعه حيث يمضي وقته الاطول. وفي هذا الاطار استعيد قولا للبابا الراحل يوحنا بولس الثاني في آخر رسالة سلام له في عيد رأس السنة عام 2005 "ان جوهر الانسان أن يكون مع ولاجل"، لذا فان الوجود المسيحي لا يعالج كوجود مطلق في المجتمع العربي بل كوجود مع ولاجل هذا المجتمع ذات الغالبية المسلمة. ان ايمان المسيحي هو وطنه، وانا اشدد على بقاء المسيحيين في هذا الاطار العربي المشرقي لكي يكونوا مع ولاجل هذا العالم العربي.

اضطهاد المسيحيين والاصولية: وردا على سؤال ما هي السبل الكفيلة ببقاء المسيحيين في ارضهم في ظل الاضطهاد اللاحق بهم، قال بطريرك الروم الكاثوليك: المأساة هي في الاساس مأساة انسانية مسيحية- اسلامية قبل ان تكون مسيحية فقط. وعلى الرغم من ان المسيحيين يبقون الفئة الاكثر تعرضا للاذية من قبل الارهابيين والاصوليين، فان هذه الاصولية تؤذي الاسلام ايضا. ان ما يتعرض اليه المسيحيون ليس اضطهادا بل واقعا سياسيا انعكس على وجودهم بسبب عددهم القليل وعدم التزامهم السياسي، لذلك اصبحوا هدفا يجب ضربه. فما يحصل في العراق هو انتصار فئة على اخرى، ولا اظن ان عدو المسيحية هو الاسلام او الاصولية. فالاصولية اليوم صراع عربي اسلامي داخلي، واعتقد انه في حال وصول اصوليين الى الحكم في البلدان العربية فسيحافظون على المسيحيين لانهم عنصر توافق وتقارب وانفتاح، والاصولي يحتاج ايضا الى انفتاح.

واضاف: كل دين يحتاج الى العودة للاصول، اما الاصولية الحالية فهي ليست اسلامية بل اصولية في المنطقة العربية تتلون بلون اسلامي لان المنتمين اليها هم مسلمون، اقله في الهوية وليس في المعنى الحقيقي الفقهي للاسلام. ان المشكلة الاساسية في الاصولية تكمن في استغلال العواطف الدينية لاجل اهداف سياسية، وهذا هو الخطر الاكبر لان استغلال الانسان لذاته ولدينه ولعرضه يولّد اكبر المشاكل في العالم اليوم. من هنا ضرورة اصطفاف المسيحيين والمسلمين جنبا الى جنب لنظهر ان خطر الاصولية يهددهم اكثر مما يهددنا كمسيحيين.
رسالة الى العالم الاوروبي: وردا على سؤال ماذا يلمس من جولاته الخارجية من رغبات دولية تجاه لبنان والعالم العربي، قال لحام: ان الرسالة الى العالم الاوروبي يجب ان تنبع من ايمان المسيحيين ومن وقوفهم الى جانب المسلمين. وكي تحترمنا اوروبا علينا اولا احترام ذواتنا واظهار انفتاحنا على العالم الاوروبي اكثر من الاسرائيليين الذين يقومون باعمال همجية ولكنهم يقدمون ذواتهم لهذا العالم على انهم ديموقراطيون ومنفتحون بينما العالم العربي يقف متفرجا ولا يعمل على تحسين صورته وتجميلها على الرغم من انه يمتلك عناصر تاريخية كثيرة يمكنه استخدامها لابراز وجهه الحضاري. اذا، في حال اردنا الدعم من اوروبا علينا ابراز صورتنا الثقافية والحضارية من تاريخنا وكيف تزاوجت الحضارة اليونانية مع الحضارتين المسيحية والاسلامية، علينا ان ننمي شخصيتنا العربية.

واضاف: نحن كلبنانيين لسنا متحدين، والمشكلة الكبيرة تكمن في دعم اوروبا، شاءت ام ابت اسرائيل والكيان الصهيوني. والسبب الرئيسي لازمتنا يبقى الصراع العربي الاسرائيلي الذي لم تبذل اي جهود لانهائه بطريقة تحفظ كرامة الشعب العربي وايضا الوجود اليهودي الذي لا يكفي القول بازالته فقط بالشعارات الفارغة من دون العمل الجدي. وشكك بمدى الاهتمام الاوروبي اليوم بالوجود المسيحي في ظل الدعم لاسرائيل، مشددا على ان اتحاد المسيحيين والمسلمين في العالم العربي كفيل باثارة اهتمام الاوروبيين. وقال: اذا عملت اوروبا لاجل السلام فهي ستساعدنا اما اذا اغفلت قضية السلام فمهما فعلنا ستطغى السياسة وسيدعمون اسرائيل وسيتهجر المسيحيون بسبب الازمات وليس بسبب الاصولية، اذذاك سيكون هناك معسكران، الاول يضم العالم العربي ذات الغالبية المسلمة والثاني يضم العالم الاوروبي ذات الغالبية المسيحية وبينهما اسرائيل واليهود. اوروبا تدعم اسرائيل، عدو الاسلام وعندها ينتهي العالم من بوابة الصراع الاسلامي- المسيحي. ولكن في حال نجحت الاقليات الاسلامية والمسيحية بالعيش سويا والاتحاد رغم التحديات السياسية سيكون العالم بامان.
دور لبنان: وردا على سؤال عن دور مؤتمر حوار الاديان في التخفيف من العصبيات، قال لحام: كل المؤتمرات تجمع العالم على كلمة وتصور وتساهم في تطوير فكر معين. ومن الاكيد ان للبنان دور كبير في اطار تعزيز صورة الانفتاح والحوار والحضارة. وبمقدار ما يفهم المسلمون ان وجود المسيحيين ضروري في المنطقة بمقدار ما ننجح في ابراز صورة لبنان الحضارة.

وعما اذا كان من الممكن تحقيق العلمنة في لبنان، اعتبر ان العلمنة تبقى هدفا مرتجى في بلدنا لن يتحقق بين ليلة وضحاها. وقال: فلتبق الطائفة في السياسة من دون ان تدخل في الحياة المجتمعية والتمثيل النيابي وفي الجامعات وبرامج التعليم. فاذا انحصر العامل الطائفي في السياسة فمن الممكن ان يتطور وان  يستمر النظام الطائفي السياسي ولكن خلاص لبنان لا يكون بانتخاب المسيحي مسيحيا والمسلم مسلما.

واعتبر ان لبنان لم يكتشف رسالته الى الآن، وعندما يكتشف اللبناني حقيقة دوره اذاك يدرك اهميته.

وردا على سؤال في ظل ان المشكلة اليوم مسيحية- مسيحية، كيف يمكن ان نوحد المسيحيين ونحد من انعكاساتها، قال: ان الخلافات ليست مسيحية - مسيحية بل هي خلافات سياسية تنعكس على الوجود المسيحي لان السياسيين المتخاصمين هم مسيحيون ويضعفون المد الاجتماعي والروحي كما السياسي والثقافي للمواطنين السنة والشيعة، لا بل يشجعون الخلافات بينهم. ان خلاف المسيحيين ينعكس على رسالة لبنان عموما، لبنان هو عقل العالم في المجتمع العربي، والنموذج اللبناني يخفق في غياب التوافق المسيحي- المسيحي او الاسلامي- الاسلامي.

وردا على سؤال هل افادت المفاهيم الفاتيكانية عن لبنان المسيحيين لتجاوز العقد الطائفية التي يعيشون، قال لحام: دورنا ان نستثمر هذه المقولات ولغاية الآن لم نوظفها لا محليا ولا اقليميا ولا دوليا ولا حتى عبر الاعلام. فاعلامنا لا يبرز وجه لبنان الحضاري ولا يسوق النموذج اللبناني لنكون اكثر حضورا في المجتمع الاوروبي. واذا لم يخرج لبنان اليوم من السجال مع سوريا سوف يخسر الكثير لان سوريا هي بوابتنا الى العالم العربي ونجاح علاقتنا معه مرهون بنجاح علاقتنا معها، فان دور لبنان دقيق جدا ويؤثر على العالم العربي بأسره. وشدد على اهمية لبنان منتقدا ما يبرز عبر الاعلام من افكار ضيقة بدل تسويق الفكر الواسع والحضاري لهذا البلد. وقال: ان لبنان كبير باتحاده ولسوء الحظ لا نرى الا الانقسام في صفوف ابنائه.