صاحب الغبطة يوسف

رسالة الفصح 2003

٢٠ ٤ ٢٠٠٣




                                                                               



رسـالة الســلام
في عيـد الفصـح المجيد 2003
لصاحب الغبطة البطريرك غريغوريوس الثالث
بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق والإسكندرية وأورشليم
(نيسان  2003 )
_________



المسيح قام! حقاً قام!


    بهذه التحية الفصحيّة أتوجه إليكم جميعاً، إخوتي المطارنة أعضاء المجمع  المقدّس الموقرين والكهنة والرهبان والراهبات وأبناء وبنات كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك في البلاد العربية والعالم أجمع، وإلى أبنائنا وبناتنا الروم الكاثوليك في العراق.
    وأهنئكم بالعيد الكبير، عيد قيامة ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، الذي لأجل خلاصنا تألم وقبر وقام في اليوم الثالث، لكي ينهضنا نحن الأموات بالخطيئة، ويبهجنا بنور قيامته المجيدة، ويجعلنا شركاء مجده الإلهي .
    يطلُّ علينا هذا العيد في جو كئيب متلبّد بغيوم الحرب والمآسي والدمار والقتل والعداء والبغض والكراهية، خاصة في العراق وفي فلسطين الأرض المقدسة، أرض الفداء والخلاص.
    لقد قررنا في دمشق مع جميع الطوائف المسيحية، الامتناع عن مظاهر العيد الخارجية. ويا ليت جميع كنائسنا وأبرشياتنا تتخذ قراراً مماثلاً، لكي نعبّر عن محبتنا لإخوتنا المتألمين المنكوبين في العراق وفلسطين، ونؤكد تضامننا مع العالم العربي والإسلامي الذي نحن منه وله وفي خدمته مع إخوتنا المواطنين مسلمين ومسيحيين.
إننا كلنا في مركب واحد وخندق واحد، ووطن واحد ومصير واحد. حقوقنا واحدة ومشتركة، وكرامتنا واحدة، ونصرنا واحد، ونكبتنا واحدة ونكستنا واحدة، وإهانة شعب





هي إهانة لكل شعوبنا. وهنا في هذه البلاد زرعنا الله، ونريد أن نبقى فيها، ومتضامنين معها أينما كنا، ونؤمِّن لها من خلال كنيستنا وخدماتها ومؤسساتها خدمات وافرة، مثل حبة الحنطة التي تعطي جنى ثلاثين وستين ومئة. وندعو الجميع لكي يمدوا يد المساعدة للعراقيين المتواجدين في مختلف رعايانا، مع العلم أن مؤسسة كاريتاس قد نظمت مكاتب لمساعدة العراقيين في كل البلاد العربية.
    إننا نتألّم مع عالمنا العربي. ونقدّر من جهة حجم المصيبة التي حلّت من خلال العراق، ببلادنا العربية، التي لم تنجح مع دول العالم في منع وقوع الحرب على العراق، وهي عاجزة أمام المآسي التي تقع يوميّاً في فلسطين، وعاجزة عن الضغط الضروري على الرأي العام العالمي لأجل حل قضية هي مفتاح السلم والحرب في المنطقة.    
    من جهة أخرى نشعر بخجل كبير أمام عالم يعجز عن حل الصراعات بغير الحرب والعنف والدمار واللجوء إلى ترسانة حربية فاقت كل ترسانات وآلات الحرب في التاريخ. نخجل أمام تدمير العراق، بينما تسيل أنهار الدماءِ في فلسطين، ولا تبذل الجهود الحقيقية لإنهاء الصراع في الأراضي المقدسة.
    إننا نعتبر الحرب على العراق بهذا الحجم وفي مطلع الألفية الثالثة، فشلاً للبشرية كلها شرقاً وغرباً. ونعزو هذا الفشل إلى ضياع في القيم الروحية والأخلاقية والإنسانية، وإلى تنامي الظلم والاستبداد والابتزاز والتعصّب والكذب والنفاق، والكبرياء والتسلّط والطمع.
    إننا نحتاج إلى صحوة للضمير الإنساني الذي ينيره وحي الله، وحي الإيمان بالله، وحي كتب الله المقدّسة. ولا بدّ من خلق جبهة إيمانية وبخاصة مسيحية-إسلامية للتصدي لهذا الانهيار الخلقي الذي يجرّ العالم إلى الويلات والحروب والنزاعات التي نشهدها في وسائل الإعلام على اختلافها.
         وتردني عفوياً مجموعة من آيات الكتاب المقدس تنهض ضمير البشرية:
"البرُّ يُعلي الأمة، وعارُ الشعوب الخطيئة. لماذا هاجت الأمم وهذَّت الشعوب بالباطل. أيها الملوك تعقّلوا! إتَّعظوا يا جميع قضاة الأرض. أعبدوا الرب بخوف! يابني البشر لماذا تحبون الباطل. وتبتغون الكذب؟ إن لم يبنِ الرب البيت فعبثاً يتعب البناؤن. إن لم يحرس الرب





المدينة فباطلاً يسهر الحرّاس. وكلهم أخطاؤا ويعوزهم مجد الله. ومن منكم بلا خطيئة فليرمِ الزانية بحجر!".
     الشر الأكبر هو الخطيئة. ولهذا فالعالم عاجز عن تسخير طاقاته الحوارية الجبارة لأجل تجنب الحروب المدمرة. وبالعكس يسارع إلى القتل والدمار والفتك بالأسلحة المخيفة المتطوّرة، التي تلقي الرعب وتعنف الملايين المسمّرين أمام التلفزيون يوميّاً. وخاصة الشباب والأطفال!
    أمام كل هذه المآسي، نتوجه في عيد القيامة والحياة والأمل والرجاء، إلى أبناء وبنات كنيستنا الرومية الملكية، وإلى جميع المواطنين في لبنان وسوريا والبلاد العربية وبخاصة في العراق وفلسطين والعالم أجمع، داعين إلى مزيد من حوار الأديان والحضارات والثقافات، وإلى التضامن والتعاون والمصالحة والإيمان والرجاء والمحبة، وإلى استلهام قيم إيماننا كلنا مسيحيين ومسلمين، لكي نجنّب أجيالنا الشابة خاصة، أخطار التعصّب والتطرّف والعنف والإرهاب والبغض والكراهية. داعين الجميع إلى تأليف جبهة واحدة مسيحية إسلامية، ولنقل إنسانية، لكي نبني معاً عالم الخير والأمان والاستقرار والازدهار والكرامة والحرية والسلام، لكي نبني معاً عالم العدالة، وحضارة المحبة، حضارة الله لجميع البشر.
    وهكذا تتحقق لنا وللجميع أمنية عيد الفصح المجيد، عيد الحياة والأمل، ونقول لكل إنسان بأمل ورجاء: المسيح قام! حقاً قام! ووهب العالم السلام والرحمة العظمى.



                                  


† غريغوريوس الثالث

بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والاسكندرية وأورشليم