صاحب الغبطة يوسف

رسالة الفصح 2008

١٥ ٣ ٢٠٠٨




 

المسيح فصح جديد
رسالة عيد الفصح المجيد 2008
 
غريغوريوس
 برحمة الله تعالى
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق
والإسكندريّة وأورشليم
النعمة الإلهيّة والبركة الرسوليّة
تشملان إخوتنا السادة المطارنة، أعضاء المجمع المقدّس،
وسائر مؤلّفي كنيستنا الروميّة الملكيّة الكاثوليكيّة، إكليروساً وشعباً،
وتحلاّن عليهم.

 

 

المسيح فصحٌ جديدٌ

الفصح الجديد هو بداية العهد الجديد في فجر يوم القيامة البهيج. إنه نهار السرور الذي لا مساء له. وفيه أتوجّه بتحية الأب والأخ والصديق إلى المطارنة أعضاء المجمع المقدس الأحباء وإلى الكهنة والرهبان والراهبات وإلى جميع الإخوة والأخوات أبناء كنيستنا الرومية الملكية الكاثوليكية بتحية الفصح الأخوية والمعايدة القلبية والتهاني العطرة والأماني، طالباً، من يسوع القائم من الموت، الفصح الكبير الأشرف، لكي يكون عيد القيامة فصحًا وعبورًا وبهجة وسرورًا وفرحًا عارمًا يملأ قلوبنا ونفوسنا وعقولنا ويغزو بيوتنا ومؤسساتنا ومجتمعنا في بلادنا العربية وفي بلاد الإنتشار، في كلّ مكان فيه روم كاثوليك.
 

الفصح والعشاء السرَّي
في الإنجيل المقدس يروي لنا الإنجيليون احتفال السيد المسيح بالفصح اليهودي الناموسي، مع تلاميذه في علَّية صهيون بالقدس الشريف. ويقوم يسوع بشعائر الفصح حسب التقليد اليهودي، حيث يحتفل الشعب العبراني بذكرى عبوره التاريخي من مصر إلى برّية سيناء عبر البحر الأحمر. ومن هنا أتى اسم العبرانييّن. بحيث ارتبط عيد الفصح باسم العبرانيين وباللحظة الأكثر أهمية في تاريخهم.
فالفصح رمز عناية الله بشعبه وسهره على خلاصهم والسير بهم على يد موسى كَليم الله من العبودية المرَّة إلى الحرية.
المسيح فصح جديد! هذه الإنشودة التي نترنَّح طربًا عندما ننشدها تعطي معنى جديدًا للفصح العبري القديم. ففي المسيحية أصبح السيد المسيح نفسه هو الفصح. وهكذا تعبِّر الأنشودة الطقسية عن عمق اللاهوت المسيحي. ففي إيماننا المسيحي ما عاد الفصح حدثًا تاريخيًّا محصورًا في جغرافيةٍ وشعب بل إنه المسيح نفسه، هو فصحنا وقيامته هي قيامتنا وهي عبورنا ليس على يد موسى او أيّ نبيّ آخر، بل على يد يسوع نفسه. حيث ننشد، "اليوم يوم القيامة... والفصح فصح الرب. لأن المسيح إلهنا قد أجازنا (عَبَرَ بِنا) من الموت إلى الحياة ومن الأرض إلى السماء، نحن المرنمين نشيد الإنتصار" أو نشيد العبور (التسبِحة الأولى من قانون الفصح المجيد).
نريد من خلال هذه الخواطر الفصحية أن نبرز معنى الفصح المسيحي الذي فيه المسيح هو "الفصح الكبير الأشرف وحكمة الله وقوَّته وكلمته". (التسبحة التاسعة من قانون الفصح).
ويتطوّر الفصح القديم المحصور في تاريخ وجغرافية وشعب ليصبح المسيح نفسه فصحًا جديدًا وتحريرًا وقيامة، يفتح أمام كل إنسان يؤمن بالمسيح، آفاق حياة جديدة، فيشترك بآلام المسيح وموته وقيامته وكل حياته. بحيث يعيش كل يوم فصحًا جديدًا، ويتحوَّل بالأسرار المقدسة وبخاصة المعموديّة والميرون والإفخاستيا من العهد القديم إلى العهد الجديد، ومن الناموس والشريعة، إلى النعمة والحق، ويخلع الإنسان العتيق ويلبس الجديد، المخلوق على صورة الله ومثاله كما جبله الله في البدء في الفردوس.
ولذلك في الشرق لا يدعى احتفال السيد المسيح بالفصح العشاء الأخير، بل العشاء السرّي. فالسيّد المسيح احتفل بالعشاء الفصحي اليهودي، لآخر مرة حسب التقليد اليهودي والمفهوم اليهودي. وحوَّله إلى عشاء سرِّي. واحتفل مع تلاميذه بسرِّ محبته التي ستقوده إلى الآلام والموت لا بل إلى القيامة، عندما قال لتلاميذه :"كلوا! هذا هو جسدي! إشربوا! هذه هي كأس العهد الجديد بدمي المهراق لأجلكم لمغفرة الخطايا".
فالفصح الذي احتفل به المسيح هو الفصح الناموسي الأخير، وهو العشاء السرِّي الأول. هو الأخير في العهد القديم والأول والسرِّي في العهد الجديد، لأنه بدء وأساس أسرار العهد الجديد وإيماننا المسيحي. إذ أن المسيح هو الفصح والقيامة وهو السرُّ الأكبر، وأساس الأسرار السبعة المقدسة التي تواكب حياة المسيحي من المهد إلى اللحد. وهكذا بالأسرار المقدسة يعطي السيد المسيح لمراحل حياة البشر الأرضية، معنى سريًّا روحيًا، وبعدًا يتضمّن في آنٍ واحدٍ البعد الجسدي والبشري، ويؤلّهه. بحيث تصبح مسيرة حياة البشر حقًا فصحًا وعبورًا ومشاركةً في حياة السيد المسيح وآلامه وموته وقيامته، وفي الحياة الأبدية من خلال الموت أو الرقاد الذي هو فصح المسيحي الأخير وعبوره إلى الآب، ليبعث فيه، في جسده المائت جمال الصورة الأولى للإنسان القديم.
وهكذا  فالفصح اليهودي هو الحدث والعيد المركزي في العهد القديم، بينما عيد الفصح أو بالحري عيد القيامة هو العبور اليومي وهو عيد الأعياد وموسم المواسم، عيد المسيحيّة السنوي والشهري والأسبوعي واليومي، العيد الكبير.

 

فصح جديد وعهد جديد
الفصح في المسيحية هو نوع جديد من العبور (معنى كلمة فصح بالعبرية عبور) وهو فاتحة عهد جديد. وعبارة "جديد" الأكثر شيوعًا في اللغة اليونانية التي فيها كتب "الإنجيل المقدس" هي كينوس (Kainos ) وتعني أكثر من عبارة "جديد" المألوفة في اليونانية (Néos ) وفي العربية.
الجديد في الكتاب المقدس في عهديه القديم والجديد عبارة تحوي أبعادا كثيرة للجدَّة: الكيفية، الأمر العجيب، الأمر غير المألوف، حقيقة تفوق الحقائق الملموسة، أمور إلهيّة، مغايرة لحسِّنا ومعقولاتنا، الفصح تجديد الطبيعة والأنظمة، شموليّة التجديد الذي يطال كلّ مظاهر حياة المجتمع. الجديد صفة للسرّ، مرتبطة بالله تعالى، الذي فيه كل شيء جديد "هاأنذا أجعل كل شيء جديدًا" (رؤيا 21) المسيح يوضع في قبر جديد! العهد القديم كلّه انتظار للأزمنة المسيحانية الجديدة.
إنّ الله يأتي  بالجديد: "يجعل البرية طريقاً وفي القفر أنهاراً".( أشعيا 19:43). وتكون "سماوات جديدة وأرض جديدة" (أشعيا 56: 17و66 :22). النشيد الشكريّ لله على ذلك يجب أن يكون جديداً (مزمور49/2). الأرض جديدة والمعبد أو الهيكل جديد. أورشليم جديدة. انتظار العهد الجديد يتردّد الكلام عنه في نبؤات الأنبياء: التزام جديد بالشريعة (مزمور 11) روح جديدة في أحشاء البشر (حزقيال 36: 26-27 ومتفرّق).
وتأتي تعاليم السيّد المسيح في الإنجيل تحقيقاً لانتظار الجديد في أسفار العهد القديم. الشعوب يدهشون من تعاليم يسوع (مرقس 27:1) لأنّه يبرز معنىً جديداً للشريعة وتعاليمها ومراسيمها، ويريد أن يكمّلها. ويشبّه العهد القديم بالنسبة للجديد قائلاً: "لا أحد  يجعل  رقعة  جديدة  في  ثوب بالٍ...ولا يجعل خمراً جديدة في زقاق قديمة...بل تجعل الخمر الجديدة في زقاق جديدة". (متى9 :17،16).
والتلاميذ الذين آمنوا بيسوع "هم مثل سيّد بيت يخرج من كنزه جدداً وعتقاً" (متى 52:13). وصيّة يسوع الكبرى هي "وصيّة المحبّة" ( يوحنّا 12:15) وهي وصيّة جديدة (يوحنّا 34:13) لأنّها محبّة على مثال يسوع الذي يحبّ. وعلى مثال الآب الذي يحب. وعلى مثال الروح الذي هو محبّة الآب والابن. هذه المحبّة هي كأس العهد الجديد بدم المسيح، التي تُقدَّم للمؤمنين في المناولة المقدّسة. (لوقا 20:22 - 1كور 25:11).
ويستفيض بولس الرسول في وصف العهد الجديد الذي سبق الأنبياء في العهد القديم، فعبّروا عنه بطريقة جميلة: "هاأنذا أُكمّل عهداً جديداً...أجعل نواميسي في أذهانهم وأكتبها على قلوبهم...وإذ قال جديد فقد عتّق الأول" (عبرانيّون 8 و 9 و10 متفرّق).
من هنا أيضاً موهبة الألسنة الجديدة للرسل في حدث حلول الروح القدس يوم العنصرة (أعمال الرسل 4:2 ومرقس 17:16) لكي يتمكّنوا من إيصال البشرى للعالم في تنوّع لغّاته وثقافاته و حضاراته.
المسيح فصح جديد لأنّه إنسان أو الإنسان الجديد وآدم الجديد (1 كور 15) .وكلّ من آمن بالمسيح واعتمد باسمه هو "خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت. هوذا الكلّ قد صار جديداً" (2 كور 17:5). لا بلا أنّ يسوع الفصح الجديد يدعو الشعوب كلّها لتكون "إنساناً واحداً جديداً صانعاً سلاماً" ( أفسس 15:2).
بالمعموديّة تتمّ الولادة الجديدة ( تيطوس 5:3) وبها يتجدّد الإنسان في الداخل (2كور 4:16). وعلى المؤمنين " أن يُلقوا عنهم الخمير العتيق لكي يكونوا عجيناً جديداً " (1كور 7:5). و عليهم أيضاً "أن يخلعوا الإنسان العتيق ويلبسوا الإنسان الجديد" ( كولوسّي 3:10) "المخلوق على صورة الله بالبرّ والقداسة" (أفسس 24:4) لأنّنا "دفنّا مع المسيح بالمعموديّة للموت حتّى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الله، هكذا نسلك نحن أيضاً في جدّة الحياة... لأنّ إنساننا العتيق قد صلب مع يسوع" ( روما 6: 4-6).
عمل التجسّد والفداء هو عمل تجديد عظيم شامل: تجديد للإنسان وتجديد للمجتمع وللكون بأسره، لأنّ الخليقة كلّها تئنّ وتتمخّض بانتظار ولادة جديدة من خلال استعلان أبناء الله المؤمنين بالمسيح الذين تجدّدوا بالمعموديّة وهم مدعوّون لتجديد الخليقة. ( روما 19:8). والتجديد في الإنسان والمجتمع والخليقة كلّها لا يتحقّق بالكمال إلاّ في آخر الأزمنة في الملكوت. وهذا ما نقرأه في سفر الرؤيا وهو السفر الأخير في العهد الجديد، بحيث يبدأ الخلاص بميلاد يسوع الطفل الجديد والإله الذي قبل الدهور، ويجد قمّته في القيامة التي هي دعوة إلى التجديد في المسيح الفصح الجديد. وأمّا الجديد الكامل النهائي فسيتحقّق في آخر الأزمنة: " ثمّ رأيت سماء جديدة وأرضاً جديدة... أورشليم الجديدة النازلة من السماء.... هاأنذا أجعل كلّ شيئ جديداَ . أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية".(رؤيا 21 متفرق).

 

العهد القديم والعهد الجديد
المسيح هو الفصح الجديد والعهد الجديد. وهو الضامن للعهد الجديد (عبرانيون 22:7) والوسيط لعهد أعظم (عبرانيون 6:8) والعهد الجديد (عبرانيون 15:9)، وتُسمّى الأسفار المقدّسة (الإنجيل وسواه) العهد الجديد. والفصول التي تسبق الآلام والقيامة في إنجيل يوحنّا تُدعى "العهد". والمسيحي مدعو ليعيش في العهد الجديد، لا بل يسمّيه بولس الرسول المؤتمن على العهد الجديد: "إنّكم رسالة المسيح مخدومة منّا، مكتوبة لا بحبرٍ بل بروح الله الحيّ، لا في ألواح حجريّة بل في ألواح قلب لحميّة... وقد جعلنا الله كفاةً لأن نكون خدّام عهدٍ جديدٍ. لا الحرف بل الروح . لأنّ الحرف يقتل لكنّ الروح يُحيي". ( 2 كورنتس 3 : 3و6و7).
والجديد في المسيح يختلف عن الجديد المألوف في لغتنا الأرضيّة الماديّة : الجديد في المسيح هو الانتقال من العهد القديم إلى الجديد. هو التخلّص من القديم و السعي نحو الجديد. إذ في الله كلّ شيئ دائماً جديداً: العهد الجديد، الإنجيل الجديد، الإنسان الجديد، الخليقة الجديدة، حتّى الأمور الخارجيّة في الكنيسة وفي الفصح بالذات يجب أن تكون جديدة: القبر الجديد، الستائر الجديدة، الأواني الطقسيّة جديدة، الأناشيد جديدة، أثاث الكنيسة جديد، وكلّ هذه يجب أن تتجدّد دائماً...
ولكن هناك جدليّة عميقة جدّاً بين العهد القديم والعهد الجديد. وهذا ما نراه حتّى داخل أسفار العهد القديم. ونعرف عن تذمّر اليهود العبرانيين بعد خروجهم من مصر كيف كانوا يطلبون من موسى أن يعيدهم إلى مصر. وكان الأنبياء أصواتاً مُدوّية لكي تنقّي ضمائر الشعب من الخمير القديم والعادات الوثنيّة. وحتّى السيّد المسيح نفسه كان يوبّخ الرسل على عقليّتهم القديمة وتفكيرهم الأرضي في أمور الرئاسة والسلطة والانتقام والبطش... وقد قالوا بعد عظة يسوع عن خبز الحياة :هذا الكلام صعب من يستطيع حمله ( يوحنّا 60:6).
واليوم نحن أيضاً نقع في الجدليّة عينها. وكم مرّة نتراجع مثل التلاميذ، كما يروي يوحنّا الإنجيلي: "من هذا الوقت رجع كثيرون من تلاميذه إلى الوراء ولم يعودوا يمشون معه". ( يوحنّا 66:6) وحتّى بطرس الذي قال ليسوع "إلى أين نذهب با ربّ فإنّ كلمات الحياة الأبديّة هي عندك" ( يوحنّا 68:6)، يقول ليسوع في مكان آخر عندما تكلّم عن آلامه: "حاشى لك يا رب أن يكون لك ذلك وأجابه يسوع: " إذهب خلفي يا شيطان لأنّك لا تفطن ما لله بل ما للنّاس". (مرقس 33:8 ومتى 22:16).
في المعموديّة المقدّسة يسأل الكاهن المعتمد ( أو الإشبين أو العرّاب) : هل توافق المسيح؟ ويُجيب نعم أُوافق المسيح. وهل ترفض الشيطان؟ نعم أرفض الشيطان.
بالأسف مراراً كثيرة نريد أن نرجع إلى العهد القديم! ونرفض تعاليم المسيح ونقبل كلام الشرير، وننقاد وراء عقليّة بالية وذهنيّة قديمة. التجربة دائماً حاضرة: أن نعود إلى العهد القديم ! ونطلّق وننبذ العهد الجديد وروحانيّة الإنجيل، ونعمل عكس ما يقول بولس الرسول : "البسوا الرب يسوع! ليكن فيكم من الأخلاق و الأفكار ما في المسيح يسوع " ( 1كو 2:16 ).   
  

تجدَّد أيّها الإنسان
المسيح فصح جديد . وأنت أيّها المؤمن بالمسيح مدعو لأن تكون إنساناً جديداً. المسيح الفصح الجديد، والقيامة الجديدة دعوة إلى التجدّد الروحي. فالجديد ليس الموضة ولا صراعات خارجيّة ولا دعايات ولا بريق خارجي. جمال ابنة الملك كلّه في الداخل. عيد الفصح المجيد، المعموديّة، المسيح الفصح الجديد دعوة إلى عهد جديد، إلى تجدّد ملتزم، إلى تجدّد داخلي: في الفكر والقلب والمسلك والتصرّف، في الحياة الفرديّة والعائليّة والمجتمعيّة. إنّه تجدّد مُعدٍ، تجدّدٌ يُجدِّد.
والكنيسة تُساعدنا إلى التجدّد، فتقيم عيد التجديدات مرّتين في السنة: في الثالث عشر من أيلول: تدشين وتجديد هيكل قيامة المسيح إلهنا المقدّسة في القدس عام 335، والعيد الآخر يقع في التاسع من كانون الأوّل، ويُدعى عيد تذكار التجديدات، وهو عيد تدشين وتجديد الكنائس بالعموم وبخاصّة كنيسة القيامة التي هي أمّ كلّ الكنائس. وبعد الفصح يُدعى الأحد الأوّل أحد توما أو الأحد الجديد.
أناشيد هذه الأعياد دعوات مُلحّة رائعة تدعو إلى التجدّد والتجديد والجمال والتألّق والنقاء والبهاء... وهذه مختارات منها تحرّضنا على التجدّد بالروح القدس وعلى تجديد كنيسة احجر وكنيسة البشر. "أيّها المسيح جدّد القلوب تجديداً روحيّاً، وهب الاستنارة للمقيمين بإيمان عيد تجديد بيتك"( 9 كانون الأوّل) ( القنداق).
"تجدّدي! تجدّدي يا أورشليم الجديدة، لأنّ نورك سطع، ومجد الرب أشرق عليك. هذا البيت ابتناه الآب. هذا البيت ثبّته الابن. هذا البيت جدّده الروح القدس، المنير والمشدّد والمقدّس نفوسنا" (سحر 13 أيلول).
"إرجع إلى ذاتك أيّها الإنسان. وتحوّل من عتيقٍ إلى جديدٍ وعيّد بتجديدات النفس. وما دام لك وقت جدّد حياتك ومنهج سيرتك كلّه. إنّ الأشياء العتيقة قد جازت، وها قد صار كلّ شيئ جديداً. فلتكن ثمرتك في هذا العيد أن تتغيّر تغيُّراً محموداً. فإنّه هكذا يتجدّد الإنسان، وهكذا يكرَّم عيد التجديدات" (سحر 13 أيلول).
" هلمّوا أيّها الإخوة نبتهج مسرورين حبّاً للعيد، ونعقد محفلاً روحيّاً مضيئين مصباح النفس بزيت الرحمة، لأنّه هكذا تُكرَّم التجديدات وهكذا يُمجَّد الخالق، الذي به يُجدِّّد الجميع نفوسهم للعلوّ السماوي" ( غروب 9 أيلول).
وفي أحد توما نشكر المسيح القائم من بين الأموات، "لأنّه جدّد لنا بالرسل روحاً مُستقيماً
(نشيد العيد). ويُدعى هذا الأحد كما قلنا آنفاً الأحد الجديد لأنّ الخليقة كلّها تجدّدت بقيامة المسيح. ولأنّ الموعوظين الذين نالوا سرّ العماد المقدّس ليلة الفصح كانوا يظلّون لابسين ثوبهم الأبيض حتّى هذا اليوم. وهم الخليقة الجديدة العائدة إلى جمالها الأوّل، بسرّ العماد القدّس. لا بل إنّ سرّ العماد يُدعى سرّ التجديد، ونرى في رتبة العماد رموز وإشارات التجديد: الاتّجاه نحو الشرق، خلع الثياب القديمة، والتغطيس ثلاثاً في الماء الرامز إلى القيامة والحياة الجديدة في المسيح، والاسم الجديد هو اسم قديس والشمعة الدَّاعية المُعتمد ليكون نور العالم! والثياب الجديدة ترمز إلى ثوب البرّ والقداسة والخلقيّة المسيحيّة الجديدة: "أنتم الذين بالمسيح اعتمدتم المسيح قد لبستم"، وهي الأنشودة التي نُنشدها طيلة المدّة الفصحيّة. ويلي المعمودية سرّ الميرون المقدّس المؤلّف من عدد كبير من الأعشاب العطريّة التي ترمز إلى تعدّد مواهب الروح القدس وتنوّعها في الكنيسة لأجل تجديد المؤمنين.الكنيسة فصح جديد
المعموديّة هي فصح المؤمن الشخصي! كما نقول في عيد الغطاس في الكلام عن عبور أليشع نهر الأردن: "كان ذلك رمزاً للمعموديّة التي نعبر بها سبيل العمر الزائل" (بارامون الغطاس).
المسيحي مدعو ليعيش في عبور دائم وتجدّد دائم. مكان التجديد الدائم هو الكنيسة التي هي مكان الاحتفال بالفصح وبالقيامة، ليس فقط في عيد الفصح، بل كلّ أحد. وكلّ يوم وكلّ مرّة نحتفل بالليترجيا الإلهيّة، نحتفل بالفصح وبالقيامة وبالحياة الجديدة في المسيح.
الكنيسة مدعوّة إلى تجدّد دائم ويومي، إلى أن تعيش الفصح يوميّاً. الكنيسة مؤسّسة، جماعة وأفراداً، بطريركاً وأساقفة وكهنة وشمامسة ورهباناً وراهباتٍ ومؤمنين ومؤمنات، بحاجة إلى عبور دائم. ويسوع هو، بدل موسى، قائد مسيرة العبور، وبدل عصا موسى لدينا صليب المسيح. والنهر هو الحياة اليوميّة.
وهكذا فالعبور الفصحيّ القياميّ هو دائم ويومي وحياتي. ولا بدّ للكنيسة أن تكون مكان هذا العبور الدائم من القديم (والبقاء فيه تجربة يوميّة) إلى الجديد (وهو دعوة يوميّة وحتميّة ودائمة). والمطلوب هو الانتقال الدائم المتجدّد من القديم إلى الجديد. وبالأسف الخطر قائم أيضاً يوميّاَ بأن نعود إلى ذهنيّة العهد القديم، ونطلّق عقليّة الإنجيل التي نجدها ثقيلة ومثاليّة وطوباويّة وصعبة وغير عمليّة! ولذلك فإنّ يسوع المعلّم يشدّد جدّا على الانتقال إلى "إنجيله"، إلى " فكره"، إلى " عقليّته"، إلى الجديد الذي أتى به عالمنا، قائلاً القول الشهير:" قد سمعتم أنّه قيل" (في العهد القديم)، "أمّا أنا فأقول لكم..." (في العهد الجديد)....( متّى 5) وأيضاً: "آباؤكم أكلوا المنّ في البريّة وماتوا"....(العهد القديم) "أنا هو المنّ الحقيقي النازل من السماء" (يوحنا 6) العهد الجديد!

 

مؤتمن على العهد الجديد
القديس بولس كما ذكرنا أعلاه يحمّل كلّ مؤمن بالمسيح الفصح الجديد والعهد الجديد مسؤوليّة جسيمة. فيسمّيه "المؤتمن على العهد الجديد" ( 2 كور 3).
إنّها لعمري مسؤوليّة كبيرة! وإنّني بدوري أتوجّه إلى إخوتي الأساقفة وإلى الكهنة والرهبان والراهبات والمؤمنين الروم الملكيين الكاثوليك في كلّ مكان، لا بل أتوجّه إلى جميع من يقرأ هذه الرسالة الفصحيّة، داعياً نفسي وجميعنا أن نفحص ضميرنا ونتساءل بجديّة وصراحة: أين نحن من هذه المسؤوليّة تجاه المسيح الفصح الجديد والعهد الجديد! وكأنّنا نسأل ذواتنا: أين أنا من معموديّتي؟ أين أنا من عبوري؟ أين أنا من فصحي الجديد؟
إنّنا مؤتمنون على العهد الجديد، على الفصح الجديد، على الإنجيل، على قيَمه وتعاليمه وخلقيّته. وذلك في نفوسنا وأيضاً في مجتمعنا. المؤمن ليس أبداً وحده: فهو مع الله والله معه. وهو أيضاً في المجتمع، ومسؤوليّته الإيمانيّة تتعدّى ذاته وكماله الشخصي وقداسته وطهارة سيرة حياته وأمانته ليسوع الفصح الجديد. المؤمن المتجدّد الجديد إبن القيامة، وابن العهد الجديد يُجدّد حياته ومجتمعه ويساهم في تطوّره وينخرط فيه اجتماعيّاً وثقافيّاً ووطنيّاً وقوميّاً وسياسيّاً واقتصاديّاً. ولا يجوز لنا أن نفكّر مسيحيّاً، دون أن نفكّر اجتماعيّاً وسياسيّاً واقتصاديّاً....يقول لاكوردير: "إنّ نفساً ترتفع، ترفع العالم كلّه معها". فالمسيحي ليس لأجل ذاته. إنّه مؤتمن على رسالة. وفي قلبه وضميره وَزْنَةٌ لا بل وزنات، فلا يجوز له أن يخفيها في قلبه، بل عليه أن يُشرك بها الآخرين.
أجل إنّ "العهد الجديد" الذي اؤتمنّا عليه يشرح ويُجدّد ويرسم لنا دورنا في مجتمعنا، وبخاصّة العربي، الشرق أوسطي. إنّه دور مسيحيّ مسيحي؛ ومسيحيٌّ إسلامي؛ ومسيحيٌّ يهودي، ومسيحيٌّ إلحادي. إنّه دور القمح الجيّد في حقل العالم، حيث الزؤان والقمح مُتواجدان معاً، وهما واقع الأمس واليوم وغداً.
من هنا واجب التجدّد في الذات، في الكنيسة، في الجماعات المسيحيّة، في الأخويّات، في الحركات الرسوليّة في فِرَقِ الشباب، في الأجيال الطالعة، في العائلة، في الجماعات الرهبانيّة الرجاليّة والنسائيّة، على مستوى الكنسيّة المؤسّسة، في المجالس الراعويّة، في الجمعيّات الخيريّة، في السينودس المقدّس، في المصفّ الأسقفي، في الرعايا، في تنظيم الأبرشيّات...
ولهذا تُعقد المؤتمرات والدورات والسينودسات على مختلف المستويات. ولهذا عقدنا أيضاً في أيلول الماضي2007 المجمع البطريركي وقد تركّزت مواضيعه حول راعوية الأسرار والشباب. ولهذا السبب لا بدّ لكلّ أبرشيّة أن تعقد هي أيضاً مجمعها الأبرشيّ كما تفرضه القوانين المقدّسة.
وهذا ضروري لأنّ التجديد والتحديث داخل الكنيسة ومؤسّساتها يُسهم في تدعيم الجبهة الداخليّة في الكنيسة، ويُحفّزها ويشحن هِمَمَ أولادها وبخاصّة الشباب وكلّ من يحمل مسؤوليّة فيها، فتصبح قادرة على تجديد المجتمع حولها. وهكذا تبقى الكنيسة حقّاً في فصحٍ دائمٍ وجديدٍ، على مثال المسيح الفصح الجديد. تبقى شابّة! تخاطب الشباب، تحتضنهم، تحبّهم، تحنو عليهم، ترشدهم، تُقوّم عثراتهم، تفهم عقليّتهم، توجّههم إلى المسيح، إلى الإنجيل، تشدُّ همّهم لكي يقوموا بدورهم في المجتمع. تربّيهم على الانتماء إلى إيمانهم وإلى كنيستهم، وينخرطون في النشاطات المتنوّعة التي تقدّمها لهم رعيّتهم. فيعيشون إيمانهم في جوٍّ أخويٍّ، رعويٍّ، عائليٍّ سليم، نقيّ. ويستعدّون لكي ينطلقوا في المجتمع ويؤسّسوا أسرة مسيحيّة مؤمنة ملتزمة في الكنيسة والمجتمع والوطن.
أجل على الكنيسة أن تبقى شابّة. والشباب عنصر مهمّ جدّاً في إبقائها شابّة، متناغمة مع آمال كلّ فئات وشرائح المؤمنين فيها. وأريد كبطريرك أن أكون قريباً إلى الشباب، وأشارك في الكثير من نشاطاتهم سواء في أبرشيّتي البطريركيّة في دمشق، وفي مصر وفي القدس، وفي أبرشيّات أخرى، لا بل أريد أن أكون بطريرك الشباب. فهم عنصر هامّ في تجديد الكنيسة. وعلينا أن نعمل بكلّ الوسائل لكي يبقوا في الكنيسة ومعها وإلى جانب رعاتها، ويحبّوها لكي يكونوا من خلالها بناة عالم جديد، وتبقى الكنيسة بواسطتهم حاضرة في عالم اليوم والغد.
وأدعو الكهنة بخاصّة، والرهبان والراهبات إلى التجدّد في إيمانهم وعقليّتهم وأساليب عملهم. عليهم أن يتجدّدوا في العمل الرعوي والأسراري، وفي الوعظ والإرشاد، واعتماد الأساليب العصريّة الجديدة المتطوّرة، ويوسّعوا آفاقهم، ويعملوا على التحصيل الدائم والمطالعة، إلى جانب الصلاة وتنظيم الرعيّة إداريّاً تنظيماً معاصراً، ساهرين على مرافق الرعيّة وتراثها وخيراتها وعقاراتها، وعلى الوثائق المتنوّعة في أرشيفها، بحيث تبقى الرعيّة حيّة وورشة عمل ونشاط على كلّ الأصعدة. وأحبّ أن أحيلهم إلى وثيقة أصدرها البابا خادم الله يوحنّا بولس الثاني بعنوان "التقدّم السريع" عام 2005.
من الضروري أن يطال التجديد "الفصحي والقيامي" الأفراد والعائلات والمؤسّسات والذهنيّة والعقليّة والقناعات وكلّ قطاعات الرعيّة والكنيسة والمجتمع.

 

تجدّد روحيّ وليترجيّ وأسراريّ
ولا بدّ من كلمة حول التجديد في القطاع الليترجي والعبادي والأسراري. وقد جدّدت اللجنة الليترجيّة برئاستنا منذ العام 1986 تباعاً الكتب الطقسيّة كاملة مع الليترجيا الإلهيّة بحلّة جميلة جذّابة. وأشرنا مراراً وتكراراً إلى طرق الإنعاش الليترجي واعتماد النصوص الجديدة، والاهتمام بتوحيد أهمّ الترانيم العامّة. وشعارنا المأئور هو: "كنيسة روميّة ملكيّة كاثوليكيّة واحدة. نصوص طقسيّة واحدة. كتب طقسيّة واحدة. الحان عامّة واحدة".
ونحب أن نشير إلى ظاهرة متناقضة: إنّنا نلحظ أنّ هناك اهتماماً متزايداً وممدوحاً في تزيين الكنائس وتجديدها وتصويرها بالرسومات الكنسيّة الجميلة، والأيقونات المتقنة وتوفير البدلات الكهنوتيّة والأواني الكنسيّة المتنوّعة... ولكنّنا نلحظ بأسف شديد أنّ الكثيرين ينسون أو يتناسون ويُهمِلون التقاليد القديمة المقدّسة في الأمانة للصلوات اليوميّة كما تفرضها القوانين الكنسيّة والليترجيا الإلهيّة (القداس) اليوميّة، والصيام والقطاعة والمطالعة والعمل على التثقيف الدائم وتهيئة المواعظ باهتمام، واستنباط طرق الرعاية المناسبة وزيارة البيوت، والسهرات الإنجيليّة... كلّ هذه هي حقول مهمّة ووسائل ناجعة للتجديد الفصحي القيامي للرعاة وللرعيّة.

 

عقليّة خاطئة: نبذ العهد القديم
وأخيراً نشير إلى عقليّة خاطئة وأيضاً متناقضة. فكثير من المؤمنين والمؤمنات وحتّى من الكهنة والرهبان ومعلّمي التعليم المسيحي ينتقدون العهد القديم وما يرد فيه من أخبار جرائم وقتل وعنف وانتقام وثأر وزنى وكذب وربى وظلم وعنصريّة الأفراد والجماعات... وهكذا يتبّرأ الكثيرون من العهد القديم ولا يريدون أن يسمعوا به ولا أن يُقرأ في الطقوس الكنسيّة.
آمل أن أعطي جواباً مسهباً على هذا الاعتراض وعلى هذا الموقف في إحدى الرسائل اللاحقة. وأودّ أن أذكّر بكلمة القديس أغوسطينوس : "إنّ العهد الجديد مختبئ في القديم والعهد القديم يتجلّى في العهد الجديد". ولكنّني أريد منذ اليوم أن أُجيب على هذا الاعتراض الذي يتفشّى يوماً فيوماً، ونرى أيضاً برامج في الراديو والتلفزيون أو في الصحافة تنشر مثل هذه الأفكار. فأقول أنّ كثيرين ممّن ينتقدون أخبار أسفار العهد القديم، والتي هي وصف لأخلاق كثيرين من الناس في ذلك الوقت وليست أموراً أوحاها الله، إنّ كثيرين من هؤلاء المنتقدين، بأسف شديد لا يزالون يعيشون في ذهنيّة وعقليّة بعض رجالات العهد القديم ويسلكون سلوكهم ويتخلّقون بأخلاقهم التي ينتقدونها.
وإلى هؤلاء وإلى كلّ معتمد باسم المسيح الفصح الجديد نقول: الانتقال من العهد القديم إلى العهد الجديد هو اتجاه إلزامي وليس خياراً حرّاً. وعلينا أن نفحص حقّا ضميرنا إذا كنّا في العهد القديم ام حقّاً انتقلنا وعبرنا إلى العهد الجديد. فإذا كنّا جددا فنجدِّد العالم وإذا كنّا بعد عتقاً فالعالم يشيخ بسببنا. فعلينا أن نجرؤ على العبور من القديم إلى الجديد. لابدّ للجديد والتجدّد من جرأة أدبيّة فرديّة وجماعيّة.
ولابدّ من الممارسات التقويّة ووضع برنامج روحي للتجدّد. من ذلك: التعمّق في الإيمان، الاطّلاع على إيماننا، مطالعة الكتاب المقدّس بخاصّة العهد الجديد، العمل على ممارسة الفضائل والنمو فيها. تجديد الحياة الروحيّة في الأسرة. الاهتمام بالحياة الروحيّة وممارسة الأسرار المقدّسة والمواظبة على حضور الليترجيا الإلهيّة والصلوات والمشاركة في حياة الرعيّة ونشاطاتها...
هذه هي الوسائل الأساسيّة التي تجعلنا حقّاً من أبناء العهد الجديد، تلاميذ المسيح الفصح الجديد وأبناء القيامة.

 

ختام
في أيقونة القيامة نرى المسيح القائم من بين الموات يمدّ يده لآدم وحواء وينهضهما من القبر ومن الظلمة إلى النهار والنور. هذه الأيقونة هي أيقونة فصحيّة رائعة. وفي الواقع المسيح نفسه الفصح الجديد يمدّ لنا يده ويقودنا إلى أفراح وأمجاد وآفاق الفصح الحقيقي، إلى القيامة وإلى الحياة الجديدة.
وفي صلواتنا الفصحيّة الجميلة نستكشف فرح الكنيسة وبهجتها وسرورها وابتهاجها بيسوع الفصح الجديد. وكأنّها تتغزّل بعروسها بهذا الفصح السيّدي.
وأنهي رسالتي وتأمّلي الروحي ببعض المقاطع الفصحيّة المقدّسة.
"اليوم يوم القيامة. فلنتفاخر أيّها الشعوب. فالفصح فصح الرب. لأنّ المسيح إلهنا. قد أجازنا من الموت إلى الحياة. ومن الأرض إلى السماء. نحن المرنّمين نشيد الانتصار". ( التسبحة الأولى).
"لقد ظهر فصحنا المسيح. الذكَرُ الصائن المستودع الدائم البكارة. فمن حيث هو مأكل سمّيَ حملاً. وبما أنّه منزّهٌ عن الدنس. دُعيَ طاهراً. وبما أنّه إلهٌ حقٌ سُمّيَ كاملاً". ( التسبحة الرابعة).
"إنّ إكليلنا الفاخر الذي نباركه. ذبح لأجل الجميع طوعاً كحملٍ حولي. فصحاً مطهّراً. ثمّ أشرق لنا من القبر. كشمس عدلٍ بهيّة". (التسبحة الرابعة).
"أيّها المسيح. إنّ المكبّلين بسلاسل الجحيم. لمّا لحظوا حنوّك الذي لا قياس له. هرعوا نحو النور راقصين على قدم السرور مصفّقين للفصح الأبدي". (التسبحة الخامسة).
"أيّها المسيح الفصح الكبير الأشرف. يا حكمة الله وقوّته وكلمته. أنعم علينا أن نشاركك أكمَلَ مشاركة. في نهار ملكك الذي لا مساء له". (التسبحة التاسعة).
لمّا رقدت بالجسم كمائتٍ. أيها الرب والملك. قمت في اليوم الثالث. وأقمت آدم من الفساد. وأبطلت الموت. يا فصح عدم الفساد. وخلاص العالم". (نشيد الإرسال).
وفي الأناشيد المسمّاة الفصحيّة نجد آيات التغنّي بالفصح بطريقة فريدة.
"إنّ فصحنا المسيح الفادي فصح المؤمنين. قد اتضح لنا اليوم فصحاً شريفاً. فصحاً جديداً مقدّساً. فصحاً سريّاً فصحاً كامل الإجلال. فصحاً بريئاً من العيب. فصحاً عظيماً. فصحاً فاتحاً لنا أبواب الفردوس. فصحاً مقدّساً جميع المؤمنين".
"إنّ الفصح المطرب فصح الرب. قد أشرق لنا فصحاً كامل الإجلال. فصحاً نصافِحُ فيه بعضنا بعضاً بفرح. فيا له فصحاً منقذاً من الحزن. لأنّ المسيح ببزوغه اليوم من القبر كما من خدرٍ. قد غمر النسوة بالفرح قائلاً. أخبرن الرسل بذلك".
الكنيسة تدخل حقّاً في نشوة روحيّة في عيد الفصح المجيد والقيامة المقدّسة. نحن اليوم بأشدّ الحاجة إلى فرحة العيد، فرحة الفصح، "فرحة" الفرحة الكبيرة في اليوم الكبير. وتصرخ مع القدّيس سيرافيم ساروف: "يا لفرحتي! المسيح قام"!
عالمنا يحتاج إلى صرخة الفصح والقيامة: المسيح قام! إنّه في جوع إلى الفرح الحقيقي وفي عطش إلى السعادة الحقيقيّة النابعة من قبر المسيح المندّى الذي به نتشدّد ونتغلّب على مصاعب الحياة وويلاتها وعلى الحروب والقتل والدمار والإرهاب والعنف والاضطهاد والأصوليّة والأزمات على اختلافها.
إنّ بلادنا المشرقيّة أرض القيامة تتألّم مع أعضائها المتألّمين وهم عضو في الجامعة العربيّة، وإخوة لنا يتألّمون ويموتون ويجوعون ويعرون بخاصّة في لبنان وفلسطين والعراق. إنّنا نتوجّه إليهم بعاطفة صادقة ونرفع لأجلهم صلاة حارّة ونطلب من جميع أبنائنا أن يتضامنوا مع جميع المتألّمين ومع قضاياهم العادلة. ولنكن كلّنا صانعي سلام. ولنطلب أن يعمل المسؤولون في مجتمعنا محليّا وإقليميّاً وعالميّاً لكي يصبحوا حقّاً صانعي سلام. ونصلّي لكي ينبلج قريباً فجر القيامة والحياة الكريمة والسلام والأمن والأمان والإزدهار. ومعاً وبقلبٍ مفعم بالأمل والرجاء والإيمان والمحبّة نقول : المسيح قام! حقّاً قام!
مع المحبّة والتقدير والبركة الرسوليّة.

                                                          

 غريغوريوس الثالث
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والإسكندريّة وأورشليم