صاحب الغبطة يوسف
الندوة الثانية لمركز لقاء تحت عنوان " مستقبل الإنسان العربي بين واقع الثورات ومرتجى الدولة المدنية" - .المكتب الإعلامي لمركز "لقاء"
المكتب الإعلامي لمركز "لقاء"
الربوة 4/5/2012
مستقبل الإنسان العربي الندوة الثانية لمركز "لقاء" في الربوة
لحام: لا معنى لهذا المشرق العربيّ بدون مسيحيّيه ولا ثبات له بلا المسلمين
فياض: لبناء "ديمقراطيات مقاتلة" أو " سيادية" تستند إلى إرادات الناس
السيّد: للنخب العربية مهمتان تنمية المواطنة وتصويب العلاقة بين الدين والدولة
القزي: من لم يخف الشتاء العربي في ما مضى، لن يخاف الربيع العربي اليوم
ـــــــــــــــــــــــــــ
بدعوة من المركز العالمي للحوار لقـــــــــــــاء, وبرعاية البطريرك غريغوريوس الثالث لحام عقدت بعد ظهر اليوم الندوة الثانية لمنتداه تحت عنوان " مستقبل الإنسان العربي بين واقع الثورات ومرتجى الدولة المدنية", تكلم فيها كل من: النائب الدكتور علي فياض, البروفسور رضوان السيّد ونائب رئيس حزب الكتائب الأستاذ سجعان القزي. وأدار الندوة الدكتور زياد الصائغ.
حضر الندوة النواب: نهاد المشنوق, أنطوان أبو خاطر, علي عسيران, ناجي غاريوس, شاكر عون ممثلا الرئيس أمين الجميل, الدكتور داود الصايغ ممثلا الرئيس سعد الحريري, الدكتور هاني صافي ممثلا الدكتور سمير جعجع, الأب إيلي خوري ممثلا البطريرك الراعي, الدكتور أنطوان حداد أمين سر حركة التجدد الديمقراطي, ملكار خوري ممثلا النائب سامي الجميل ومارون مارون ممثلا النائب ستريدا جعجع, الدكتور وليد يونس ممثلا الأمين العام لتيار المستقبل أحمد الحريري, السفير خليل مكاوي, بسام يحيى ممثلا المديرية العامة لرئاسة الجمهورية, بالإضافة إلى ممثلي الهيئات الديبلوماسية والقيادات العسكرية والأمنية ورجال دين وناشطون في المجتمع المدني.
الأب كابي هاشم
افتتح الندوة مدير مركز " لقاء" الأب كابي هاشم, بكلمة جاء فيها: لعلّ السؤال الأخطر الذي يجول في أفكار الكثيرين منّا ومن أقراننا في الشعب اللبنانيّ يدور حول مستقبل هذه المنطقة وما سيؤول إليه فيه مصير الناس. وإذ لا بدّ لهذه الأحداث، بكلّ ما تنطوي عليه في طيّاتها من ترقّباتٍ لغدٍ أفضل، أو تخوّفٍ من شرٍّ أظلم، أن تُفضي في يومٍ من الأيّام إلى مجالٍ لإعادة النظر في الأنظمة والشرائع التي تحكم بلدان هذه المنطقة، علينا منذ الآن، بشيءٍ من الاستباق، أن نتفكّر وأن نستشفّ وأن نلتقي ونتحاور وأن نصارع الفكر بالفكر، والحجّة بالحجّة، واضعين نصب أعيننا خير الإنسان العربيّ وهناءة عيشه ورغده، وهذا حقّه علينا.
الصائغ
استهل الدكتور زياد الصائغ كلمته التي قدم فيها الندوة بأنه لا يمكن ان يكون الرجائيون , مسيحيين ومسلمين , في هذا الربيع العربي دعاة خوف أو تخويف بل هم منحازون لقيم المواطنة
والحرية والديمقراطية وحقوق الأنسان , وهم حلفاء الحياة الكريمة بالعدالة الأجتماعية يبتعدون
عن كل انزلاق عنفي وتحيز استبدادي .
وأضاف : لا يمكن ان يساند الرجائيون , مسيحيين ومسلمين , سوى المستضعفين يدعمون
ثورتهم بالحق على كل أستكبارات الباطل .
النائب د. علي فياض
أما عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب الدكتور علي فياض فجاء في مداخلته:
لا يصح اختزال المسألة العربية المعاصرة بالمسألة الديمقراطية على أهميتها, كما لا يجوز التهاون بالأهميةالحاسمة للإرادة الشعبية, محذراً من اعتماد مقولة "الديمقراطية لمرة واحدة", أي اعتماد الديمقراطية ثم الانقلاب عليها.
إن خصوصية الواقع العربي وطبيعة التحديات والمخاطر تستدعي فيالفكر السياسي العربي المعاصر, دمج المسألة الديمقراطية ومسألة المقاومة والممانعةفي إطار رؤية واحدة دون تفريط بأي منهما.. ودعا إلى بناء "ديمقراطيات مقاتلة" أو "ديمقراطيات سيادية" تستند إلى إرادات الناس وخياراتها ولا تتجاوزمبدأ تداول السلطة , وفي الوقت ذاته تنهض بواجبات التصدي والمواجهة مع الكيانالإسرائيلي ومشاريع الهيمنة الأميركية والغربية . ورأى إن تسعى بعض الاتجاهات إلىتهميش المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي سيكون له عواقب وخيمة وارتدادات سلبية علىمجمل مشروع التغيير في العالم العربي.
إن شروطا جوهرية يجب أن يمتلكها أي حراك شعبي كي لا يدخلفي تعقيدات أو التباسات تجعل من شرعيته موضع شك وتحوله إلى موضوع نزاعي ملتبس ومعقَّد وتدخله في متاهات من الصعب معها أن يحقق أهدافه.
أما الشروط فهي:
أ- ضرورة أن يعبر الحراك عن إرادة الأغلبية العظمى في المجتمع وان ينطوي على تمثيل مكونات المجتمع كافة.
ب- أن لا تحول تكتيكاته المرحلية أو بعض التعقيدات الظرفية من أن يكون موقفه الفعلي إلىجانب القضايا القومية الكبرى في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وتأييد حركات المقاومةورفض المشاريع الأميركية .
ت- أن يحافظ على المكونات المجتمعية كافة الدينية والطائفية والاتنية . فلا ينزلق إلى الصراعات التي تهدد وحدة المجتمع أو تبنَّي سياسات تقوم على التمييز بين المواطنين.
ث- عدم الارتهان لمشروعات التدخل الخارجي تحت أي ذريعة .
ورأى فياض إن وحدة مجتمعاتنا والحاجة إلى استقرارها تستدعي في زمن التحولات خاصة, تغليب المقاربات التوحيدية الجامعة, على المقاربات التقسيمية مهما تكن طبيعتها الإيديولوجية أو الطائفية أو الدينية . ويستوجب ذلك تقديم تصورات مرنة ورشيدة لبناء الدولة وتركيبة النظام السياسي بحيث يشعر جميع المواطنين أن الدولة دولتهم وتمثلهم جميعاً .
وشدد فياض على أن ليس من مصلحة احد ولادة "مسألة أقليات"جديدة في العالم العربي , كما انه ليس من مصلحة مشروع التغيير في العالم العربي أن تجد الاتجاهات الفكرية والسياسية غير الإسلامية نفسها مقصاة ومهمشة خارج عوائد التحولات العربية.
وختم مشيرا إلى أن موضوع الأقليات لا يعالج بمنطق الأكثرية والأقلية, بل بمنطق الحقوق والوحدة الوطنية والحرص على صيغ حكم تمثيلية جامعة هذا ما يجب أن تعيه الأكثريات. في حين إن على الأقليات أن تحاذر بدورها خطرين كبيرين يشكلان منزلقاً تاريخياً لا تحمد عقباه وهما: تحالف الأقليات, والاستعانة بالحماية الخارجية أو الرهان على مشروعات غربية خارجية .
سجعان القزي:
أما سجعان القزي فقال في مداخلته: من لم يخف الشتاء العربي في ما مضى، لن يخاف الربيع العربي اليوم. ومن قاوم عملياً الأنظمة العربية، ولاسيما النظام السوري لن يعارض مبدئياً الثورات العربية، وبخاصة الثورة السورية. الربيع العربي هو موعدي المنتظر. رجوته أن يطل ويستقر. فلاح وراح، فأحزنني وصدمني. بدأت الأنظمة العربية تسقط بعدما تحكمت بشعوبها أربعين سنة، أما نضارة الثورات العربية فلم تدم سوى أربعين يوماً. لست في أولى صدماتي العربية كمسيحي أو مواطن عابر الأديان والقوميات نحو لبنان منارة العولمة المشرقية.
أيدت الثورات العربية في الساحات، بما فيها دوّار اللؤلؤة في البحرين، وأنكرتها في القصور. أيدتها في وجوه الشباب والشابات ورفضتها في الحكام الجدد. أيدتها في مطلب المساواة ورفضتها في التمييز العنصري. أيدتها في وثيقتي الأزهر وتيار المستقبل ورفضتها في شرائع الإخوان المسلمين والسلفيين. أيدتها في شعار "أعيدوا حريتي" ورفضتها في شعار "وأَعِدّوا لهم". أيدتها في الديمقراطية هي الحل ورفضتها في الإسلام هو الحل. أما الأنظمة القائمة، فأعارضها في كل زمان ومكان، أعارضها في كل جمهورية وإمارة ومملكة. أعارض عقائدها وشعاراتها وسلوكها وحكامها. هذا واجب، ولا شكر على واجب.
خلافاً لما يظن البعض، عرف العالم العربي، في المئة سنة الماضية، أكثر من ربيع من المحيط إلى الخليج مروراً بهذه الأرض الآرامية ـ الكنعانية ـ الفينيقية. منذ سقوط السلطنة العثمانية، مطلع القرن العشرين، أطلت علينا عدة فصول ربيعية فحجَبناها وحجَّبناها وأجهضناها. نحن مجازون بإهدار هدايا التاريخ.
ماذا فعلنا بكل ربيع من هذه الربيعات منذ مئة سنة إلى هذه السنة؟ ماذا فعلنا بكل هذه القيم والمشاريع والأحلام والتحديات؟
إن ما قصف الربيعات السابقة هو نفسه يهدد الربيع العربي الجديد. إنه النظام العربي الأم. فعبثاً نحاول إسقاط الأنظمة العربية القائمة، وكلها ساقطة، ما لم يتغير النظام الأم. الأنظمة البديلة ستلتحق بمنظومة النظام الأم لأنها تنحدر من ذات المرجعية الفكرية والتشريعية والدينية. ما لم يتغير العقل العربي لن يتغير النظام العربي. تقوم ثورات وتسقط أنظمة وتتغير التسميات ويبقى الإنسان العربي خاضعاً لنظام الفكر الواحد. إن الأحادية العقائدية لا تحترم التعددية المجتمعية وإن اعترفت بوجودها، وبالتالي لا حرية ولا ديمقراطية ولا مساواة.
هذا النظام الأم يخيف المسيحي المشرقي والعربي أكثر مما تخيفه الحرب والاغتيال والتهجير والقتل على الهوية. هذه حوادث أمنية تنتهي لدى إبرام حل سياسي. أما النظام الأم فهو الجهاز البنيوي الذي يخطط ويصنع ويصدر كل القوى التي تفشل كل الثورات وكل الأنظمة البديلة. أنا أخاف الفشل العربي المزمن وليس الربيع العربي العابر. وانعكاس الفشل العربي لا يقتصر على المسيحيين فقط، بل يشمل المسلمين الباحثين عن إسلام الرسالة لا إسلام الخلافة.
لا أرى نفسي في ثورات وأنظمة لا تعترف بالإنسان قيمة مطلقة، بالمرأة قيمة ذاتية، بالآخر قيمة أصيلة، بالحرية قيمة عامة، وبالمساواة قيمة أساسية. لا أرى نفسي في ثورات وأنظمة لا مساحة فيها للحوار والكلمة، للفرح والحياة، للثقافة والفن، للوجوه والعيون. لا أرى نفسي في ثورة كل شيء فيها يدور حول جسد المرأة عوض مستقبل المرأة. لا أرى نفسي في ثورة تفرض الدين مصدر التشريع بدل أن يكون الشعب هو المصدر. لا أرى نفسي في ثورة تحن إلى السلف عوض أن تبني الخلف. لا أرى نفسي في ثورة ترى الآخر عدواً أو مشركاً عوض أن تراه أخاً وشريكاً.
نحن المسيحيين، نقولها بصراحة، نحتاج إلى تجربة إسلامية دامغة تثبت نهائية زمن الفتوحات والدولة الإسلامية لكي نؤمن حقيقة بأن الإسلام شريك لا حاكم.
دور مسيحيي الشرق في تقرير مصير العالم العربي لا يفرض عليهم بالضرورة أن يكونوا فريقاً في الصراع وإن كانوا طليعيين في الخيار. فالدور يتحدد حسب نوعية الصراع وهدفيته وحسب قدرة المسيحيين على التأثير الإيجابي من مردود سلبي عليهم. والدور لا يعني بالضرورة انحياز. هناك دور في الحياد، ودور في الحل، ودور في الحوار. هذه أدوار مفيدة لا مواقف جامدة. ومن يراجع أدوار المسيحيين يكتشف أنها كانت إبداعية لا انحيازية. كانت تنحو دائماً نحو تخطى الصراعات.
الحياد، الذي يلتزم به المسيحيون العرب عموماً من الأحداث الجارية، لا يعبر عن جبن أو استقالة من دور تاريخي في صناعة القرار العربي والمصير العربي، بل عن حكمة وواقعية وحرصاً على الوجود الباقي. إن المسيحيين غالباً ما سبقوا المسلمين العرب إلى الالتزام بقضية حين يكون الصراع بين العرب وأي عدو خارجي أياً كان دينه أو لونه أو هويته. لكن حين يكون الصراع بين فريقين عربيين وداخل الدولة الواحدة فإنهم يحجمون نظراً لوضعهم. لا تخجلن كمسيحيين من حيادنا، فلا دين علينا لأحد.
رضوان السيد
وقسم البروفسور رضوان السيد مداخلته الى ثلاثة أقسام:
الثورات العربية في انطلاقها وشعاراتها ووقائعها وماّلاتها , والتحديات التي تواجهها , وكيف يمكن التأثير من جانب النخب الثقافية والسياسية في تحقيق مرتجى الدولة المدنية.
أما لجهة الوقائع, فإن الثورات أنطلقت في مطلع العام 2011 , وكان الزخم الجماهيري الذي قاده الشبان المدنيون في تونس ومصر والبحرين وليبيا واليمن وسوريا والمغرب. وكانت الشعارات متشابهة ولها أصداؤها في بلدان عربية أخرى , بل في العالم الأوسع وهي :
السلمية والحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة. وقد خمد الحراك الأحتجاجي في المغرب في وقت مبكر لاستجابة الملك محمد السادس لمطالب الملكية الدستورية بينما أدى هذا الحراك في اربعة بلدان عربية حتى الآن الى تغيير النضام وذهاب الرئيس والدخول في مرحلة انتقالية , وكان ذلك فب تونس ومصر وليبيا واليمن . بينما ما تزال الأحداث مشتعلة في سوريا والى حد في البحرين.
القسم الثاني :
اما القسم الثاني من المداخلة فيعني بأستطلاع التحديات التى تواجهها الثورات أو حركات التغيير بشكل عام وهي تتمثل في ثلاثة امور : إقامة المجتمع السياسي الجديد من خلال الأنتخابات الحرة , والحكومات المنتخبة , وفصل السلطات , وقيام ذلك كله على مبدأ المواطنة والمساوات .
أما التحدي الثاني فيتمثل في ظهور الأسلام السياسي وبروز التناقض بين هذا الأسلام المسيّس والقوى التى تريد إقامة الدولة المدنية وحكم القانون.
أما التحدي الثالث , والبعض يرى فيه شرطا لا نتيجة , فهو أستعادة الأمن والاستقرار والانطلاق السريع للعمل التنموي وتحفيز الشباب لللابداع والتأكيد على دور المرأة والتفاعل مع القوى الجديدة الصاعدة بشكل ايجابي .
وسأل البروفسور السيّد: ماذا تستطيع النخب أن تفعل ؟
وأضاف مجيباً: لا تبدو النخب العربية ذات تأثير قوي حتّى الآن . لكن أمامها مهمتين كبيرتين وأستراتيجيتين :
اولهما : العمل بقوة وتضامن على تنمية الثقافة الفردية , ثقافة المواطنة.
ثانيهما: العمل على تصحيح العلائق بين الدين والدولة في وعي الجمهور وفي الممارسة السياسية والدينية.
وخلص السيد الى ان اللبنانيين نخبا ثقافية وسياسية يستطيعون تقديم نموذج ونصائح وهم يستطيعون ايضا المتابعة والنقد والدعوة لتقكيك الانسدادات في نظامهم على وقع شعارات ووقائع حركات التغيير العربية , الرامية جميعا لإقامة انظمة ديمقراطية تعددية لا غبن فيها ولا غلبة .
كلمة صاحب الغبطة البطريرك غريغوريوس الثالث
وهنا كلمة صاحب الرعاية البطريرك لحام:
تحية أهلاً وسهلاً بكم في مركز "لقاء"! أهلاً وسهلاً بكم في كلّ حين، لنستضيفكم ونستضيف مؤتمراتكم ونرحّب بأصدقائكم.
إن الواقع الذي نعيشة في الثورات والحراك الشعبي في العالم العربي مؤلمٌ بسبب تصاعد ثقافة التصادم من جرّاء تفشّي حالات الانطواء بشتّى أشكاله ومظاهره، الطائفيّة والعرقيّة والحزبيّة والقبليّة... لا شك أن الضباب يلفّ الرؤية بشأن ما يحدث عندنا، يحتِّم علينا المبادرة لتصويب مسارات التاريخ.
نحن المسيحيّين نرفض الانطواء لأنّنا أبناء الرجاء، ولسنا بأقليّاتٍ خائفة. وذلك من منطلق قناعتنا أننا جسم واحد، وإذا تألّم فيه عضوٌ تألّمت معه سائر الأعضاء، وإذا فرح عضوٌ فرحت معه سائر الأعضاء. وقد جاء في الحديث الشريف: "مَثَلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم، مَثَلُ الجسد الواحد. إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى".
لقد بنينا مع إخوتنا المسلمين النهضة العربيّة الأولى، لا بل كنّا المكوّن الأساسي في قيام وتطوّر الحضارة في الدول المتعاقبة على مدى التاريخ. وكلّنا قناعةٌ بأنّنا سنكمل المسيرة متمسّكين بدورنا النبويّ في هذا الشرق من خلال نهضةٍ عربيّة جديدة. فلا معنى لهذا المشرق العربيّ بدون مسيحيّيه، ولا ثبات لتعدّديّته وتنوّعه المغني بدون مسلميه.
هدف مبادرتنا خلق الفرصة للتأمّل الهادئ، وشقّ مسالك الحوار بين المتنازعين على شرعيّات الحكم ومقابض السلطة، حقنًا للدماء على أمل التوصّل إلى طرح شرعةٍ جديدة للإنسان العربيّ الحديث بالاستناد إلى الخبرات الطويلة من العيش معًا بحيث تكون هذه عهدًا بين جميع المواطنين بمختلف انتمائاتهم.
هذا اللقاء اليوم يدفع مشروع "شرعة الإنسان العربيّ الحديث" الذي طالبنا به في رسائلنا وبياناتنا السابقة، إلى الأمام، ويوصله إلى مجالات التنفيذ.
تصوّري حول هذه الشرعة ينطلق من المحورين التاليين:
كرامةُ الإنسان
عالمنا اليوم، والعربيّ خاصَّةً منذ مطلع هذا العام الميلاديّ، في ثورة كرامة الإنسان وحرِّيَّته وقيمته! كرامة الله واحترامه واحترام صورته الإلهيَّة مرتبطةٌ باحترام صورة الإنسان. وبالعكس لا إكرام لله بدون إكرام الإنسان كما قال يوحنَّا الحبيب: "إن قال أحدٌ "إنِّي أُحبُّ الله"، وهو يُبغض أخاه، فهو كاذب. فمن لا يُحبُّ أخاه (الإنسان) وهو يراه، فلا يستطيع أن يُحبَّ الله الذي لا يراه" (1 يوحنَّا 4: 20). وهذا من أسباب الحروب والثورات في العالم بأسره.
وحدةُ الصَّفِّ العربيّ
ويا ليت جامعة الدُّول العربيَّة ودول جامعة الدُّول الإسلاميَّة تجتمع لتعالج واقع الثورة في البلاد العربيَّة، فنضع معًا برنامجًا جديدًا لشرق أوسط عربيّ جديد، نضعه نحن وليس غيرنا، يضمن شروط العيش الكريم لمواطني هذا الشرق الأوسط العربيّ المسيحيّ الإسلاميّ، مهدِ الدِّيانات والحضارات.
إنَّ وحدة الصَّفِّ العربيّ شرطٌ هامٌّ جدًّا أمام هذه التطوُّرات الخطيرة، وهذه الثورات الجماعيَّة وهذه الانتفاضة. إذا لم تعالج الدُّول العربيَّة مجتمعةً وبصوتٍ واحد هذه التطوُّرات المأساويَّة الدَّمويَّة بالفطنة والحنكة والحكمة والوعي والانفتاح والتصميم والوضوح والشفافيَّة والصَّراحة... فإنَّ المستقبل خطيرٌ جدًّا ومظلمٌ لنا كلِّنا. فلا بلد عربي بمنأى اليوم عن امتداد هذه الثورة إليه.
واليوم أكثر من ذي قبل، واليوم وليس غدًا، لا بدَّ من الوعي والمشورة والخطَّة الجماعيَّة العربيَّة المشتركة. اليوم لا بدَّ من رؤيةٍ مستقبليَّة عربيَّة إسلاميَّة مسيحيَّة واضحة، وواسعة الآفاق. وإلاَّ فإنَّ عالمنا العربي بمسيحيِّيه ومسلميه وبكلِّ طوائفه معرَّضٌ إلى التفكُّك والانقسام والشرذمة، بحيث يتفتَّت إلى دويلاتٍ طائفيَّة منعزلة متقوقعة متعادية متحاربة!
السلام وحل الصراع العربي الإسرائيلي
وختم بالقول: علينا أن نشير إلى عاملٍ مهمٍّ جدًّا في تحقيق كلّ هذه المترجيَّات، وهو السَّلام. فلا يمكن للعالم العربي أن يُحقِّق آمال الشعوب العربيَّة وبخاصَّةٍ آمال الشباب في الحرِّيَّة والدِّيمقراطيَّة، إذا لم يعمل بجدِّيَّةٍ وبالتعاون مع الغرب، على إحقاق السَّلام العادل والشامل والدَّائم في الأرض المقدَّسة، في فلسطين. وإنَّما تؤخذ الدُّنيا غلابًا! وبالوحدة والمحبَّة بين الدُّول العربيَّة تتحقَّق الغلبة. فالوحدة لا تُغلَب أبدًا! والمحبَّة لا تسقطُ أبدًا!
إن حلّ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يحلُّ 50بالمئة من مشاكل العالم العربي ويبعد تسونامي التعصّب والعنف ويمهّد الطريق للعمل في وضع أسس شرعة الإنسان العربي الحديث.
وأضاف: نريد أن نشير إلى الوثائق التي صدرت والتي تعتبر انطلاقة جيدة جدًا في هذا المسار، أعني وثيقة الأزهر التي بنيت على التوافق والتكامل بين الوحي الديني من جهة وبين البعد العقلي المكرس في التاريخ الحضاري وفي الإقدام العلمي من جهى أخرى.
من منطلق إيماننا بالله وبالوطن، ومن منطلق قيمنا وقناعاتنا الروحية والوطنية نناشد إخوتنا وأخواتنا أن نعمل معًا في هذه الظروف الصعبة لكي نحافظ على وحدتنا الوطنية العربية، ووحدتنا الإسلامية والمسيحية، فنتجاوز المحنة ونتعالى على الجراح.
إن ما يسمّى بالربيع العربي هو في جزء كبير منه مكيدة على العالم العربي والإسلامي حسب المبدأ التاريخي المعروف من أيام الرومان (وهذا دليل على تأصّله في السياسة العالمية منذ مئات السنين) وترجمته العربية المعروفة: "فرِّق تسد". وحذَّرنا منه السيد المسيح قائلاً: "كلّ بيت ينقسم على ذاته يخرب". المثل اللاتيني هو مختصر الربيع العربي ومحتواه وهدفه وغايته واستراتيجيته. والنتيجة ليست ربيعًا ولا ديموقراطيةً، ولاسقوط هذا النظام أو ذاك، هنا أو هناك، ولا حقوق إنسان ولا كرامة إنسان وإنّما الغاية هي فرِّق وفرِّق وفرِّق!
فرِّق دينيًا، قوميًا، حزبيًا، اقتصاديًا، سياسيًا، تحالفيًا... فرِّق وأنت السائد والسيّد! ونحن كلّنا، مسيحيين ومسلمين، في العالم العربي ضحايا هذه التفرقة والتشرذم. كلنا ضحايا وبيتنا إلى خراب! وأمّتنا العربية إلى خراب! ليست القضية قضية إسلام سياسي أو إسلاميين أو سلفيين! كلنا في مسلخ واحد! وكلنا ضحايا المثل اللاتيني: "فرِّق تسد". وكلنا ضحايا المقولة العربية: "اتفق العربي على ألا يتفقوا"
حذاري يا إخوتي! يا أحبائي في العالم العربي! ولذلك أردِّد من جديد دعوة القرآن الكريم في الآية الكريمة: "تعالوا إلى كلمة سواء"ولنحقّق دعوة وصلاة السيد المسيح في الإنجيل المقدّس "أن يكونوا واحدًا لكي يؤمن العالم".
اقتراح: قمّة مسيحية إسلامية
وفي ختام هذه الندوة أقترح إنشاء لجنة انطلاقًا من مركز "لقاء" على مستوى لبنان لوضع الشرعة التي تكلمت عنها. أو أن ندعو إلى قمة مسيحية إسلامية على مستوى العالم العربي للعمل على صياغة هذه الشرعة. ويكون أوّل قرارات هذه القمّة تأليف واحة (Oasis) إسلامية مسيحية دائمة تعمل بالتوازي مع الجامعة العربية، على المستوى الديني والأخلاقي والإنساني.
أضعُ هذه الفكرة وهذا الحلم في قلبِ وفكرِ وصلاةِ ودعاءِ وأحلامِ كلِّ الحضور! والله يُعطي أحلامنا أن تُثمر إيمانًا ورجاءً ومحبَّة!