صاحب الغبطة يوسف

كلمة بمناسبة عيد الذِّكرى الخامسة لحبريَّة قداسة البابا بندكتوس السَّادس عشر

٢ ٥ ٢٠١٠

كلمة غبطة البطريرك
غريغوريوس الثَّالث
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والاسكندريّة وأورشليم
للرُّوم المَلَكيِّين الكاثوليك
بمناسبة عيد الذِّكرى الخامسة
لحبريَّة قداسة البابا
بندكتوس السَّادس عشر

كاتدرائيّة سيِّدة النِّياح _ دمشق _ 2/ أيَّار/2010


تحيَّة الحضور... السَّفير البابوي في دمشق سيادة المطران ماريو زناري، ممثِّلو الكنائس في سوريا... أعضاء السِّلك الدُّبلوماسي... الكهنة والرُّهبان والرَّاهبات... أيُّها المؤمنون والمؤمنات الأعزَّاء...
المسيح قام! حقًّا قام!
فرحتنا بالعيد الكبير تكبر اليوم بعيد الأب الكبير، قداسة البابا بندكتوس السَّادس عشر، خليفةِ القدِّيس بطرسَ هامةِ الرُّسل والمتقدِّمِ في الكرسيِّ على الرُّسل (كما نقول في أناشيد الرَّسولَين بطرس وبولس).
وفرحتنا بالعيد الكبير كبيرة، لأنَّ الطَّوائف المسيحيَّة تُعيِّد معًا هذا العام وستُعيِّد معًا العام المُقبِل. ونأمل أن نبقى نُعيِّد معًا إذا شاء الله وشاء رؤساء الكنائس في سوريا تلبيةً لصوت الشعب ولصلاة يسوع! بحيث يكون عيدنا الكبير، رمزَ وحدتنا المسيحيَّة الكبرى، ولكي يؤمن العالم ويتمجَّد المسيح القائم في وحدة كنائسنا المقدَّسة.
كنيسة دمشق تُحييِّ قداسة البابا بهذه الصَّلاة الطَّقسيَّة: "أُذكر يا ربّ أوَّلاً أبانا بندكتوس السَّادس عشر بابا روما الطُّوباوي. وأنعِم على كنائسك المقدَّسة في العالم أجمع، أن يكون في سلامٍ. صحيحًا. مكرَّمًا. مُعافًا. مديد الأيَّام. مُفصِّلاً بإحكامٍ كلمة حقِّكَ".
“Souviens-toi, Seigneur, de notre très Saint Père Benoît  Pape de Rome. Donne à tes Saintes Eglises qu'il vive en paix, en santé en honneur, bien portant, qu'il vive de longs jours et dispense fidèlement la parole de ta vérité”.

إنَّها لمناسبةٌ عطِرة لكي نُعبِّر من خلال هذا الدُّعاء عن شكرنا لقداسته لاستقباله لنا مع إخوتنا البطاركة الشَّرقيِّين الكاثوليك في مقرِّه الصَّيفي كاستل غندولفو في 19 أيَّار 2009، و?ستماعه إلى صوت كنائسنا.
وبهذه المناسبة أعلن قداسته الدَّعوة إلى سينودس خاصّ لأجل الشرق الأوسط بعنوان: "الكنائس الكاثوليكيَّة في الشرق الأوسط. شراكة وشهادة".
إنَّها لَعمري بادرةُ محبَّةٍ وتقديرٍ نُثمِّنها عاليًا. وهي تُعبِّر عن ?هتمام قداسته وكنيسة روما الأخت الكبرى المتصدِّرة بالمحبَّة، بكنيسة المشرق العربي.
إنَّ هذا السِّينودس يهدف إلى التَّأكيد على دعوتنا المسيحيَّة المشرقيَّة العربيَّة. وعلينا بدورنا بهذه المناسبة أن نُعمِّق وَعْيَنا بأهميَّة وفرادة رسالتنا وحضورنا في هذا المشرق العربي، وهنا في سوريا الحبيبة مهدِ المسيحيَّة كما صرَّح بذلك بجرأةٍ سيادة رئيسنا المفدَّى الدُّكتور بشار الأسد.
إنَّ هذه الرِّسالة وهذا الدَّور وهذا الحضور هو نابعٌ من إيماننا المسيحيّ، ومن شعورنا بمواطنتنا الأصيلة، ومن ?نتمائنا إلى أوطاننا العربيَّة عمومًا، وإلى وطننا سوريا. لا بل إنَّ هذا الأمر يتعدَّى منطقتنا، لأنَّه شهادةٌ للعالم أجمع على أصالة كنيسة المشرق وهي أمُّ الكنائس قاطبةً.
وهذا يعني أن نعيش إيماننا المسيحي المقدَّس في أوطاننا ونُساهِم في تقدُّمها و?زدهارها ونموِّها، يدًا بيد مع إخوتنا المواطنين الأحبَّاء المسلمين، لكي نُتابع معًا مسيرة ألف وأربعمائة وثلاثين سنة من العيش المشترك، والتَّعاون والتَّضامن والأخوَّة والمودَّة، بالرُّغم من الصُّعوبات التي تعترض الشعوب في تاريخها.
يختصر المجمع الخاصّ بالشرق الأوسط هذا الدَّور وهذه الرِّسالة وهذا الحضور بعبارتَين جميلتَين: "الشراكة والشَّهادة". وهذا يعني: وحدة مسيحيَّة في الدَّاخل (شراكة). وشهادة ليسوع، ولِقيَم الإنجيل المقدَّس وإيماننا المسيحي، داخل كنائسنا، في سعيٍ دائم نحو الوحدة المسيحيَّة، وخارج كنائسنا، في وطننا ومجتمعنا الذي نحن جزءٌ لا يتجزَّأ منه، ونحن معه ولأجله.
تسير الاستعدادات لهذا المجمع على قدمٍ وساق. وقد اِجتمع مجلس البطاركة الكاثوليك للمرَّة الثالثة في روما (23-24 نيسان) حيث تدارسنا الأجوبة التي أُرسلَت من أبرشيَّاتنا ورعايانا في الشَّرق إلى روما. وعن قريب تصدر الوثيقة الأساسيَّة التي ستُعرَض لدراسة بطاركة وأساقفة الشرق الأوسط في تشرين الأوَّل القادم. حيث سيشارك إلى جانب الرُّعاة الكاثوليك، ممثِّلون عن الكنائس الأرثوذكسيَّة، وعن الإسلام واليهوديَّة. وسيستلم البطاركة هذه الوثيقة من قداسته لدى لقائهم به في قبرص في السَّادس من حزيران المقبل.
إنَّنا إذ نحتفل بعيد قداسة البابا، نودُّ أن نؤكِّد على شركتنا الكنسيَّة الكاملة مع الكنيسة الكاثوليكيَّة الجامعة. كما نؤكِّد على أمانتنا لتراثنا الشرقي الأرثوذكسي، وعلى محبَّتنا لأختنا الكنيسة الأرثوذكسيَّة، لأنَّنا أسرةٌ واحدة، ونتوق بكلِّ جوارحنا إلى ذلك اليوم الذي فيه نُكوِّنُ كنيسةً شرقيَّةً واحدة، في شركةٍ كنسيَّةٍ واحدة، في الشرق والغرب.
ونودُّ أن نؤكِّد على أهميَّة دور قداسة البابا في خدمة قضيَّة وحدة المسيحيِّين، لأنَّه يُمثِّل رمزَ الوحدة الكنسيَّة. ونأمل من قداسة البابا بندكتوس السَّادس عشر اللاهوتي الكبير أن يُصدِر وثيقةً لاهوتيَّةً حول وحدة الكنيسة، وأولويَّة البابا وممارستها، ومفهوم السُّلطة في الكنيسة حول البابا ومع البابا، في الاحترام الكامل لتقاليد الكنيسة الشرقيَّة، ومفهومها الكنسي.
ويسرُّنا أن نذكر اليوم 2 أيَّار حدثًا كنسيًّا مسكونيًّا جميلاً: إنَّها الذكرى الخامسة عشرة لرسالة قداسة البابا الرَّاحل خادم الله يوحنَّا بولس الثاني بعنوان: "نور الشرق" (2 أيَّار عام 1995) وهي تُبرِز جمالَ وسموَّ وعمقَ اللاهوت الشرقيّ والتقليد الشرقيّ. إنَّنا ننتظر من قداسة البابا الحالي رسالةً تكون تكمِلةً لرسالة سلفه البابا يوحنَّا بولس الثاني، في حقل الكنسيَّات بين الشرق والغرب (Ecclésiologie entre Orient et Occident )
ونريد أن نؤكِّد أيضًا على أهميَّة دور قداسة البابا والكرسي الرَّسولي في الفاتيكان، بالنِّسبة للقضيَّة الكبرى، ألا وهي حلٌّ سلميّ ونهائيّ وثابت وكامل للصِّراع العربي _ الفلسطيني _ الإسرائيلي.
ونشكر قداسته والفاتيكان على المواقف الثابتة والواضحة تجاه هذه القضيَّة، وحقوق الشعب الفلسطيني، ومعاناة أبنائه، وتضامنه معه.
ويسرُّنا بهذه المناسبة أن نجدِّد دعوتنا لقداسته لزيارة سوريا. وقد سبق سيادة الرَّئيس بشار الأسد أن دعا قداسته لهذه الزِّيارة.
وأخيرًا نريد أن نؤكِّد لقداسته، أنَّ كنيسة دمشق وكنيسة سوريا تقف إلى جانبه. بخاصَّةٍ في هذه الأيَّام، حيث تقوم حملةٌ هوجاء على قداسته. وأقول ذلك ب?سم سينودس بطريركيَّة الرُّوم المَلَكيِّين الكاثوليك، وبصفتي رئيسًا لمجلس الكنائس الكاثوليكيَّة في سوريا.
وقد سبق أن كتبنا رسالةَ تضامنٍ لقداسته، وتهنئةٍ بعيد ميلاده الثالث والثمانين (بتاريخ 12 نيسان 2010) ونقول له من هذه الكنيسة كما ورد في أعمال الرُّسل (12/5): "الكنيسةُ كلُّها تُصلِّي لأجل بطرس..." ولأجل بندكتوس. وقد ورد الجواب على رسالتي (22 نيسان 2010) تُعبِّر عن شكر قداسته لتضامننا معه.
كما عبَّرنا عن تضامننا مع قداسته من خلال حجِّنا، يصحبُنا أخونا المطران جوزيف العبسي نائبنا البطريركيّ العام في دمشق، إلى جزيرة مالطا التي تُكرِّم ذكرى تحطُّم سفينة بولس الرَّسول على شواطئها، وكرازته بالإنجيل لأهلها. وفي مالطا قدَّسنا في الكنيسة التي تحمل ?سم "سيِّدة دمشق" وفيها الأيقونة التي وصلت مالطا من دمشق.

 

أيُّها الإخوة والأخوات الأحبَّاء!
بولس وصل مالطا مُقيَّدًا، أسيرًا، ضعيفًا، مُنهَك القِوى بعد صراعٍ مع العاصفة في البحر لمدَّة 15 يومًا. وإذا به وهو في أشدِّ حالات الضِّيق والضُّعف والذُّلّ... يُصبح رسولاً، مُبشِّرًا، وقائدًا وزعيمًا وصانع عجائب... وتولَّدَتْ من رحِم ضعفه وألمه كنيسةٌ جديدة، كنيسة المسيح في مالطا. والتي لا تزال أمينةً للإيمان المقدَّس الكاثوليكي حتَّى أيَّامنا هذه.
إنَّ زيارة قداسة البابا لمالطا في هذا الوقت الذي فيه تتحالف قوى الشيطان والشَّرِّ والإثم والعداء للكنيسة، لكي تُسكِتَ صوت الرَّاعي المُدافِع عن القِيَم الإيمانيَّة والأخلاقيَّة، وتضربه، وتُشتِّت رعيَّة المسيح المقدَّسة، هذه الزِّيارة أتت تؤكِّد للبابا خليفة بطرس، ما قاله يسوع لبطرس: "عليكَ أبني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها" (متَّى 16).
ولذا فإنَّنا نُصلِّي اليوم لأجل قداسته، ولأجل كنيسة المسيح بكلِّ طوائفها، ونقول:
لا تخفْ يا قداسة البابا! لا تخافي يا كنيسة المسيح هنا في سوريا وفي لبنان وفي بلادنا العربيَّة! وفي كلِّ مكان، لأنَّ الله المخلِّص في وسطها فلَنْ تتزعزع.
ونقول لكم أيُّها المؤمنون الأحبَّاء كلمة يسوع، وتحريض وثيقة السِّينودس الخاصّ بالشرق الأوسط، نقول لكم: لا تخفْ أيُّها القطيع الصَّغير! ولن تخاف إذا كنتَ مع يسوع، ومُحبًّا ليسوع، وأمينًا لإيمانك، إيمان الأجداد، ولِقيَم الإنجيل المقدَّس، لكي تكون دائمًا حاضرًا وشاهدًا في وطنك حيث زَرَعكَ الله...!.
لا تخفْ يا أخي المؤمن المسيحي السُّوري، لا تخفْ يا أخي المسيحي في كلِّ مكان... لا تخفْ أن تكون كما طلب منك يسوع، لا تخفْ أن تكون نورًا وملحًا وخميرةً في مجتمعكَ. لكي تكون للناس الحياة، وتكون لهم بوفرةٍ وأفضل. آمين.

    مع محبَّتي وبرَكَتي

+ غريغوريوس الثّالث
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والاسكندريّة وأورشليم
للرُّوم الملَكيِّين الكاثوليك