صاحب الغبطة يوسف

كلمة غبطة البطريرك في جنازة المثلَّث الرَّحمات المطران أنطوان حايك رئيس أساقفة مرجعيون سابقًا

٤ ٥ ٢٠١٠

 


 

المسيح قام! حقًّا قام!

أيُّها الإخوة والأخوات الأحبَّاء!
في أجواء عيد القيامة المجيدة نودِّعْ في هذه الصَّلاة القياميَّة الخاشعة شيخًا وَرِعًا، وحبرًا جليلاً من أحبار كنيستنا الرُوميَّة المَلَكيَّة الكاثوليكيَّة، وعضوًا كريمًا في سينودسنا المقدَّس، وراعيًا مُضحيًّا مجاهدًا ومُحبًّا، وراهبًا أمينًا لحياته الرَّهبانيَّة، وابنًا بارًّا للرَّهبانيَّة الباسيليَّة الشويريَّة المبارَكة، التي لها سجلٌّ حافل في تاريخ بطريركيَّتنا المَلَكيَّة منذ بداياتها الأولى، وفي كلِّ قطاعات حياتها الرَّهبانيَّة، والطَّقسيَّة، والرَّعويَّة والقانونيَّة. إنَّها مناسبةٌ طيِّبة أن نشكر خدمات هذه الرَّهبانيَّة بشخص رئيسها العام الأرشمندريت سمعان عبد الأحد الجزيل الاحترام، وشخص المطارنة الشويريِّين الأحبَّاء، ونحن نودِّع ابنها البارّ أخانا المطران أنطوان حايك.
ونحبُّ أن نذكر في مطلع هذه الكلمة التَّأبينيَّة نصَّ الرِّسالة التي أرسلها قداسة البابا الرَّاحل خادم الله يوحنَّا بولس الثاني لحبرِنا الرَّاحل الجليل في الثالث من تمّوز 2004 بمناسبة يوبيله الكهنوتي الخمسين (رُسِم كاهنًا عام 1954).

ونحبُّ أن نخاطب بهذه الرِّسالة فقيدنا الغالي، لأنَّها ترسم خيوط نسيج حياته:
"أخانا الجليل أنطوان حايك رئيس أساقفة قيصريَّة.
في أوَّل يومٍ من شهر آب هذه السنة (1954) يطيب لنا الاحتفال في ذكرى حدثٍ من حياتكَ، ذكرى الخمسين سنة لسيامتكَ الكهنوتيَّة، ونتَّحد معكَ في الذِّكرى السَّعيدة بصلواتنا الصَّادقة. ونحن سعداء لنذكِّركم بالأعمال التي أضاءت رسالتكم الكهنوتيَّة والأسقفيَّة.
"اخترتَ دعوتكَ المقدَّسة منذ صباكَ في الدُّخول إلى الرَّهبانيَّة الشويريَّة المَلَكيَّة في دير القدِّيس يوحنَّا الصَّايغ حيث تعلَّمتَ الدُّروس الفلسفيَّة واللاهوتيَّة ثمَّ نلتَ الرِّسامة الكهنوتيَّة في الأوَّل من شهر آب 1954.
"ثمَّ علَّمتَ الرُّهبان في رهبانيَّتكَ، ومارستَ عدَّة نشاطاتٍ مختلفة راعويَّة سامية. وقد شغِلتَ مدَّة عشر سنواتٍ وظيفة النِّيابة العامَّة في أبرشيَّة قيصريَّة (1956-1966) ثمَّ انتُخبتَ رئيسًا على دير النَّبيّ الياس التَّابع للرَّهبانيَّة في زحلة، كما انتُخبتَ مدبرًا عامًّا في الرَّهبانيَّة (1989).
"لأجل كلِّ هذه المزايا السَّامية انتُخبتَ رئيس أساقفة قيصريَّة في الحادي عشر من شباط سنة 1990. وأنتَ الرَّاعي الصَّالح والتَّقي. وسط المآسي والاضطهادات، لم تترك أفراد قطيعك الصَّغير، بل احتضنتهم بشكلٍ رائع معينًا خصوصًا الفقراء والمقهورين.
"أمَّا نحن فنسرِع في تقديم التَّهاني على هذه الإنجازات وعلى غيرها من أعمالٍ أخرى كهنوتيَّة، وعلى المبادرات الكثيفة لخير الكنيسة ولخير الشعب اللُّبناني، نتمنَّى لكَ احتفالاً سعيدًا ليوبيلكَ، والتَّعزيات الوافرة من لدنِ السَّيِّد.
"تقبَّلْ الآن أيُّها الأخ الجليل هذه الرِّسالة الحاملة محبَّتنا مقرونةً ببركتنا الرَّسوليَّة التي نشملكَ بها ولكلِّ الطَّائفة المَلَكيَّة الرُّوميَّة التَّابعة لقيصريَّة فيلبُّس وكلُّ إنسانٍ ينعمُ بمحبَّتك المسيحيَّة".

 

الفاتيكان في 3 تمُّوز 2004 السَّنة السَّادسة والعشرين لحبريَّتنا
                                            يوحنَّا بولس الثاني

إنَّها شهادةٌ رائعة، وأجملُ تأبينٍ لفقيدنا!

لقد كان حبرنا الجليل صديقًا خاصًّا لي أثناء خدمتي كنائب بطريركي في القدس الشريف. ووقفتُ إلى جانبه في الظُّروف المأساويَّة الصَّعبة جدًّا التي مرَّت بها الأبرشيَّة ولبنان عمومًا، أثناء الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللُّبناني. كنتُ إلى جانبه في ترميم الدَّار الأسقفيَّة، ومساعدة كهنة الأبرشيَّة والتَّوسُّط لدى المؤسَّسات في أوروبا لأجل تطوير مشاريع الأبرشيَّة. وكنتُ إلى جانبه كبطريرك مع الدَّائرة البطريركيَّة والقيميَّة العامَّة واللَّجنة الاقتصاديَّة لأجل أرشفة وحماية وتطوير أملاك الأبرشيَّة الشَّاسعة في كلّ من لبنان وفلسطين وسوريا. لا بل كنَّا صديقَين قبل الرِّسامة الأسقفيَّة، وقبل خدمتي البطريركيَّة.

لقد كان راعيًا صادقًا مخلصًا محبًّا لرعيَّته، وقد تشرَّدتْ في كلِّ أنحاء لبنان وخارجه. وقاسى الكثيرَ الكثير إبَّان الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللُّبناني. ولا شكَّ أنَّ المآسي الكثيرة التي ألمَّت بأبناء الجنوب الأحبَّاء الصَّامدين، أثَّرَت على صحَّته. فكان على مدى السَّنوات الأخيرة من حياته الأرضيَّة رجل الآلام والعاهات، تحمَّلها بصبرٍ وجرأة وثقةٍ بالله ومحبَّة، مُقدِّمًا ذلك لأجل تثبيت رعيَّته في الإيمان المقدَّس، على أرضهم وفي بيوتهم وأرزاقهم. وكانت إلى جانبه ملاكه الحارس وشقيقته العزيزة نهاد التي قدَّرناها ونشكرها على خدماتها لأخينا الحبر الجليل باسم الكنيسة، ونُقدِّمُ لها بنوعٍ خاصّ التَّعازي القلبيَّة بفقدان شقيقها ورفيق دربها وأبيها الرُّوحي!

بههذ العواطف والذِّكريات الجميلة نُقدِّم التّعزية القلبيَّة الأخويَّة بفقيدنا الغالي، لإخوتنا السَّادة الأساقفة أعضاء المجمع المقدَّس، وبخاصَّةٍ الحاضرين منهم، وبالأخصّ السَّادة الأساقفة أبناء الرَّهبانيَّة الشويريَّة المبارَكة بشخص رئيسها العام قدس الأرشمندريت سمعان عبد الأحد، وجميع أبناء هذه البلدة مغدوشة، أحبارًا رعاة ميامين، وكهنة ورهبانًا وراهبات.
ونُقدِّم التَّعزية لأهل الفقيد الأحبَّاء إخوته وشقيقته نهاد وعائلاتهم، ونُعزِّي بهذه المناسبة بابن شقيق حبرنا الغالي الذي كان أحد ضحايا الطَّائرة الأثيوبيَّة المنكوبة.

ونُقدِّم التَّعزية لراعي أبرشيَّة فقيدنا وخلفه سيادة المطران جورج حدَّاد الموقَّر، ولراعي أبرشيَّة الفقيد صيدا سيادة المطران إيلي بشارة حدَّاد الذي يحبُّ مغدوشة. نتمنَّى لهم جميعًا الصِّحَّة والتَّوفيق وخصب الرِّسالة المقدَّسة.

ونُعزِّي أبناء البلدة من نوَّاب ووزراء ووجهاء وكهنة ورهبان وراهبات وراعي هذه الكنيسة وكاهن المزار. ونطلب منهم أن يصلُّوا لأجل فقيدنا في مقام مريم العذراء.

مغدوشة هي بلدة العذراء مريم، وقد انتقل فقيدنا في مطلع شهرها المريمي المبارَك. إنَّها  بلدة العذراء مريم سيِّدة الجنوب، سيِّدة المنطرة، تطلُّ من مزارها المريميّ ومن البازيليك التي بناها سيادة المطران جورج كويتر، تطلُّ على جميع أبنائها في هذا الجنوب الصَّامد الصَّابر المجاهد، الذي يستحقُّ كلَّ حبِّنا ودعمنا، وحبّ ودعم الدَّولة اللُّبنانيَّة: فخامة الرَّئيس العماد ميشال سليمان، ورئيس مجلس النوَّاب نبيه برِّي ابن الجنوب البارّ، ورئيس مجلس الوزراء الشيخ سعد الحريري أيضًا ابن الجنوب. إنَّه الجنوب المُعذَّب! إنَّه يحمل عذاب وآلام وصليب لبنان! فليكن هذا الجنوب قيامة لبنان وسلامَه ودرعَه وأمنَه وأمانَه واستقرارَه وسيادتَه ووحدةَ جميع أبنائه، حول علمه وأرزه، وتاريخه. ولنحمل معًا رسالته الخالدة لبنانيًّا، إيمانيًّا، عربيًّا وعالميًّا.

رحِمَ الله فقيدنا الغالي، وحبرنا الجليل، والرَّاعي الصَّالح. ومع صلواتنا اللِّيتورجيَّة نبتهل قائلين: "هذا الذي ترك العالم وعاش بسيرةٍ نقيَّة وتقوى، مجِّده يا مخلِّص في السَّموات
هذا الذي عاش على الأرض كما يليقُ برؤساء الكهنة بإيمانٍ ورجاءٍ ومحبَّة، مجِّده أيُّها المخلِّص في ملكوت السَّموات

هذا الذي خدم العالم ومذابحك وعاش بسيرةٍ نقيَّة وغَيرةٍ رسوليَّة، مجِّده يا مخلِّص في السَّموات".


وليكنْ ذكرُهُ مؤبَّدًا
مع محبَّتي وبرَكَتي

 

+ غريغوريوس الثّالث
weبطريرك أنطاكية وسائر المشرق والاسكندريّة وأورشليم
للرُّوم الملَكيِّين الكاثوليك
 

 
 

نبذة عن حياة المطران أنطوان حايك

ولد في مغدوشة عام 1926
دخل الرهبنة الشويرية في 17 أيلول 1940
أتمّ نذوره الرهبانية المؤبدة في 15 آب 1948
رُسم شماساً إنجيلياً في 29 آب 1953
أتمّ دراسته اللاهوتية والفلسسفية في جامعة القديس يوسف للآباء اليسوعيين وسيمَ كاهناً في أول آب عام 1954
عُيّن نائباً عاماً أسقفياً في مطرانية قيصرية فيليبّس من 1956 إلى 1965.
من 1965 حتى 1976 خدم رعايا عدّة في لبنان.
عُيّن رئيساً لدير ما يوحنا – الخنشارة عام 1968
رئيس دير مار أنطونيوس القرقفي – كفرشيما 1976 حتى 1981
رئيس الإكليريكية الكبرى 1985 – 1986
رئيس دير النبي إيليا – زحلة 1986 – 1989
عُيّن مدبراً عاماً للرهبانية الشويرية عام 1989
انتخبه السينودس المقدس مطراناً في 7 كانون الثاني عام 1990
استقال من مهامه الأسقفية في 4 كانون الأول 2006
تُقبل التعازي يومي الأربعاء والخميس 5 و 6 أيّار في صالون كنيسة السيدة - مغدوشة