صاحب الغبطة يوسف

كلمة في يوبيل كنيسة القدِّيس كيرلُّس المئوي الأوَّل

١٠ ٦ ٢٠١٠

كلمة غبطة البطريرك غريغوريوس الثالث
في يوبيل كنيسة القدِّيس كيرلُّس المئوي الأوَّل

القاهرة 10-11 حزيران 2010
 

إنَّها لفرحةٌ روحيَّةٌ كبيرة أن يعطينا الرَّبُّ يسوع مخلِّصنا أن نُعيِّد ونفرح معًا في هذا اليوبيل المئوي الأوَّل لهذه الكنيسة المبنيَّة على اسم القدِّيس كيرلُّس الاسكندري على عهد سلفنا المثلَّث الرَّحمة البطريرك كيرلُّس الثامن جحا (1902-1916)
نفرح أن نجتمع معًا بمناسبة هذا اليوبيل: البطريرك القادم بفرحٍ إلى هذه العاصمة المصريَّة والعربيَّة الكبيرة، ليلتقي مع أخيه صاحب السِّيادة المطران جورج بكر النَّائب البطريركي العام في مصر والسُّودان، ومع الإخوة والأبناء الكهنة والرُّعاة الأحبّاء في أبرشيَّتنا البطريركيَّة الاسكندريَّة وفي مقدِّمتهم الأخ والابن الحبيب الإكونوموس رفيق جريش، راعي هذه الرَّعيَّة الذي يرعاها بغَيرةٍ مميَّزة على مدى ستَّة عشر عامًا ( منذ تاريخ 31 مايو 1994) والذي يفرح اليوم بهذا اليوبيل الذي أعدَّ له بكدٍّ وجهدٍ وعطاءٍ وتضحيةٍ واجتهاد، وعلى مدى عامٍ كامل، مع المعاونين من أبناء هذه الرَّعيَّة الحيّة النشيطة المترابطة النموذجيَّة، ومنهم بالطَّبع عائلته المحبوبة الواقفة دائمًا إلى جانبه. إنَّها حقًّا عائلة كهنوتيَّة. ونفرح أن ينضمَّ إلينا اليوم مطارنة وكهنة من الكنائس المحبوبة ومن الأصدقاء لكي نحتفل مع أبناء وبنات هذه الرَّعيَّة الأحبَّاء بهذا اليوبيل السَّعيد.
إنَّ الاحتفال بيوبيل الكنائس وبتجديدها فعلُ إيمانٍ، ومناسبةٌ للتجديد الرُّوحيّ في الكنيسة. هذا ما نقرأه في عيد وتجديد كنيسة القيامة في القدس، في صلواتنا اللِّيترجيَّة... (خدمة 13 أيلول).
"أيُّها الإخوة تجدَّدوا. وبخلعكم الإنسان العتيق. سيروا سيرةً جديدة. جاعلين لجامًا لكلِّ الأشياء التي ينشأ عنها الموت. فلنُهذِّب إذن جميع الأعضاء. ماقتين كلَّ مذاقة العود الرَّديئة. ولا نتذكَّرنَّ الأشياء العتيقة. إلا لكي نَفِرَّ منها. فهكذا يتجدَّدُ الإنسان. وهكذا يُكرَّمُ يومُ التجديدات".
"إرجع إلى ذاتك أيُّها الإنسان. وتحوَّل من عتيقٍ بالٍ إلأى جديد. وعيِّدْ بتجديدات النَّفس. ومادام لكَ وقتٌ فجدِّد حياتك ومنهج سيرَتكَ كلَّه. إنَّ الأشياء العتيقة قد جازت. وها قد صار كلُّ شيءٍ جديدًا. فلتكُنْ ثمرتُكَ في هذا العيد. أن تتغيَّر تغيُّرًا محمودًا. فإنَّه هكذا يتجدُّد الإنسان. وهكذا يُكرَّمُ يوم التجديدات".
إلى هذا التجدُّد أدعوكم أيُّها الإخوة والأخوات أبناء وبنات هذه الرَّعيَّة وجميع الأصدقاء المحتفلين معنا اليوم.
إنَّنا نرفع الشُّكر للمخلِّص الإلهي على قيام كنائسنا في كلِّ مكان وعلى إمكانيَّة بنائها وتجديدها شاكرين للسُّلطات المحلِّيَّة المدنيَّة على تعاونهم معنا في سبيل هذا التجديد.
الشُّكر اليوم لأبنائنا الذين شجّعوا رعاتهم على إقامة المشاريع وبخاصّة الكنائس والأعمال الاجتماعيَّة، لأنَّهم كانوا رحمهم الله، ولا يزال اليوم أبناؤهم وأحفادهم إلى جانب الرُّعاة، ومن خلال عطائهم وكرمهم شجّعوا ويشجّعون الرُّعاة على إطلاق الأحلام والمشاريع وإلى تحقيقها... رحم الله من سبقونا إلى كنيسة السَّماء. والمحبَّة والمودَّة والشُّكر والدُّعاء لأجل الذين لا يزالون معنا في مسيرة كنيسة الأرض، في المسيرة الإيمانيَّة نحو أورشليم العليا، كنيسة السَّماء والقدِّيسين حول عرش الحمل الإلهي.
ونشكر الله على الرُّعاة الذين خدموا في هذه الرَّعيَّة ونترحَّم على أرواحهم ومنهم الأب شار (1930-1935) وقد عرفناه وقدَّرنا تضحياته. والأب كناكري. والأب أغناطيوس سركيس (1968-1994). وقد خلفه منذ عام 1994 قدس الأب الرَّاعي الحبيب رفيق جريش. الذي أعدَّ الاحتفال بهذا اليوبيل.
ونحبُّ أن نشكر الله على شفيع هذه الكنيسة القدِّيس كيرلُّس الاسكندري، الملقَّب بفرعون الكنيسة. ونحبُّ أن نشدِّد على أمرَين في تعليمه: حبِّه لمريم العذراء التي أعلنها مجمع أفسس أمَّ الله Theotokos، وثانياً إعلانه العظيم المتَّصل بأمومة مريم العذراء: طبيعة واحدة متجسِّدة لكلمة الله Mia Physis tou Theou logou sesarkomeni. إنَّ هاتَين العقيدتَين أساسيَّتان في الإيمان المسيحي. وهما مرتبطتان ارتباطًا وثيقًا. الإعلان المهم أنَّ يسوع إله وإنسان. وهو متَّحد اتحادًا كاملاً في شخصه الإلهي، كونه ابن الله وابن الإنسان، إلهٌ وإنسان ولكن شخصٌ واحد. ونتيجة هذه العقيدة الإيمانيَّة هي العقيدة المريميَّة الأساسيَّة: مريم أمُّ المسيح الإله والإنسان، أمُّ الله Theotokos
هذا اللَّقب هو أساس العبادة المريميَّة في كلِّ معابدها وأيقوناتها وفي مزاراتها وظهوراتها... هذا الإكرام العظيم مستند إلى تعليم كيرلُّس. نشكر قدِّيسنا وشفيع كنيستنا كيرلُّس على هذا الوضوح وهذا التعليم... إنَّنا نحبُّ مريم ونكرِّمها ونعظِّمها استنادًا إلى تعليم كيرلُّس، وإلى الكتاب المقدَّس، وإلى ما قالته هي نفسها بعد البشارة الإلهيَّة بأنَّها أمُّ عمانوئيل، أمُّ الله: تُعظَِّمُ نفسي الرَّبّ وتبتهجُ روحي بالله مخلِّصي.. وها منذ الآن تطوِّبُني جميع الأجيال. لأنَّ القدير صنع بي عظائم واسمه قدّوس...
ونحن اليوم مع كيرلُّس نجدِّد إيماننا بمقام مريم. ونُجِلُّ مريم ونكرِّمها ونقدِّسها ونرفعها فوق نساء العالمين. ونطلب شفاعتها على كنيستنا ورعيَّتنا ورعايانا وعلى زائري مقاماتها في مصر وخارجها وفي كلِّ مكان...
والعقيدة الثانية المهمَّة جدًّا في تعليم كيرلُّس هي في صميم إيماننا المسيحي: وحدة شخص المسيح الكلمة المتجسِّدة! إنَّ تعليم كيرلُّس المختصرة بهذه العبارة التاريخيَّة العظيمة، سبَّبت شقاقاتٍ خطيرةً جدًا في الكنيسة لعدم فهمها حقًّا. إنَّها انقسامات المسيحيِّين بعد مجمع خلقدونيا إلى خلقدونيِّين (ملكيُّون) وغير خلقدونيِّين (أقباط وسريان وأرمن...) ومع ذلك فإنَّ تعليم كيرلُّس هو واحد، بالرَّغم من اختلافاتنا في شرحه.
إنَّ تعليم القدِّيس كيرلُّس حول وحدة شخص السَّيِّد المسيح، في طبيعته الإلهيَّة والبشريَّة، ليس هو مجرَّد تعليم عقائدي نظري، وبدون علاقة مع حياة الإنسان المسيحي المؤمن، ولكن هذا التعليم مرتبط بحياة البشر وكلِّ إنسان.
إنَّ هذه العقيدة (وحدة يسوع الإله والإنسان) لها مؤدَّاها الإيماني والإنساني والبشري والاجتماعي والعائلي والوطني والأرضي والسَّماوي...
1- فهي تعني وحدتنا مع المسيح: "أيُّها الإله جدَّدتَ بذاتك طبيعة آدم الهابطة إلى أسافل الأرض، وأصعدتها اليوم فوق كلِّ رئاسةٍ وسلطة. لأنَّكَ لحبِّكَ إيَّاها أجلستها معكَ. ولتحنُّنكَ عليها وحَّدتها بكَ. ولاتحادِكَ بها تألَّمتَ فيها. ولتألُّمكَ فيها، وأنتَ عادم التَّألُّم، مجَّدتها فيكَ" (خدمة عيد الصُّعود الإلهي).
2- وهي وحدة البشريَّة في المسيح من كلِّ معتقدٍ وجنس ودين...
3- وهي غاية التجسُّد وعُصارة إيماننا المسيحي. فإنَّ المسيح كما يقول يوحنَّا الحبيب "أتى لكي يجمع أبناء الله المتفرِّقين إلى واحد". ونقول في نشيد عيد الصعود الإلهي: "لمَّا أكملت التَّدبير الذي من أجلنا ووحَّدت الأرضيَّات بالسَّماويَّات، صَعِدتَ بمجدٍ أيُّها المسيح إلهنا".
4- ولذلك فكلُّ انقسامٍ على أيِّ مستوىً من المستويات في الإنسان نفسه (جسد – نفس – روح – عقل إرادة...) في الأسرة وفي الرَّعيَّة، في الحيِّ الواحد، في الوطن وفي الطائفة، بين الشعوب... كلُّ انقسامٍ هو خطيئة ضدَّ الإله الواحد والدَّاعي الجميع إلى الوحدة، كما نقول في نشيد عيد العنصرة: "لمَّا نزل العليُّ وبلبَلَ الألسُن قسَّم الأمم... وحين وزَّع الألسُنَ الناريَّة (يوم العنصرة بحلول الرُّوح القدس) دعا الجميع إلى الوحدة...".
ولذا صلَّى يسوع لأجل وحدة المؤمنين به ليكونوا واحدًا كما نحن واحد... لكي يؤمن العالم. إنَّ انقسام المسيحيِّين طعنٌ بإنجيل يسوع وبتعليمه! ووحدة المسيحيِّين خيرُ برهانٍ على وحدة المسيح وصحّة إنجيله وتعاليمه.
ولهذا أيضًا فإنَّ الكثير من تعاليم يسوع هي دعوةٌ إلى الوحدة وتحذيرٌ من الانقسام والتشرذُم والتحزُّب والخلافات والعداوات والخصومات والحروب والنزاعات والضَّياع والبعثرة والتضعضع وانعدام القِيَم والبوصلة الرُّوحيَّة والنَّفسيَّة والإيمانيَّة والمرجعيَّة والإرشاد الرُّوحي...
من هذه التعاليم هذه الآيات الدَّاعية إلى التوحُّد الرُّوحي:
1- لا يمكنكم أن تعبدوا ربَّين: الله والمال! (متَّى 24:6)
2- من وضع يده على المحراث وتطلَّع إلى الوراء ليس أهلاً للملكوت (لوقا 62:9)
3- ليس كلُّ من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السَّماوات... بل من يعمل إرادة أبي الذي في السَّماوات (متَّى 21:7)
4- أرني إيمانك من أعمالك (يعقوب 18:2)
5- من يقول أنَّه يحبُّ الله ويبغض أخاه فهو كاذب (1 يوحنَّا 20:4)
6- يصبحان جسدًا واحدًا ... وما جمعه الله لا يفرِّّقه إنسان! (مرقس 9:10)
7- يسوع أتى ليجمع أبناء الله المتفرِّقين إلى واحد (يوحنَّا 52:11)
8- وأريد أن تكون رعيَّةٌ واحدة وراعٍ واحد (يوحنَّا 16:10)
9- باللِّسان الواحد نسبِّح الله ونلعنُ الإنسانَ المخلوقَ على صورةِ الله (يعقوب 9:3 )
كلُّ تعاليم السَّيِّد المسيح عودةٌ إلى الوحدة! تجسُّد المسيح غايته وحدة الإنسان في ذاته ومع الله! اسم يسوع معناه عمَّانوئيل: الله معنا!
إذاً المسيحيَّة دعوةٌ إلى الوحدة والتوحُّد. مصر موطن النُّسَّاك والمتوحِّدين...
المسيحيَّة أعظم دعوة توحيديَّة في العالم! وحدةٌ مع الله! وحدةٌ مع الإنسان! وحدة الأسرة! وحدة الإنسان وكرامته! وحدة الرَّعيَّة! وحدة الوطن! وحدة الكنيسة! وحدة الرُّوح والجسد والعقل والعواطف والمشاعر والضمير.. الوحدة ضد الازدواجيَّة وتبيِّيض الأموال والسَّرقة من أموال المجتمع والكذب... المسيحيَّة أكبر دعوات التوحيد في العالم! ويا لأسفنا أن نُعيَّر بالشِّرك والإشراك وعبادة الآلهة.
هلاك العالم هو في البعثرة والقوقعة والتشرذُم والأصوليَّة والانغلاق والحرب والعنف..
وخلاص العالم هو في الوحدة والعولمة الحقيقيَّة المرتكزة على العطاء وتقاسم خيور الأرض والتَّضامن والتَّراحم والمودَّة والمحبَّة، ومحبَّة القريب والضَّعيف والفقير والمريض وذي العاهة على أنواعها والإنسان المتشكِّك...
ولذا فالدَّينونة هي على أعمال الرَّحمة والمحبَّة والخدمة كما ورد في إنجيل متَّى حول الدَّينونة الأخيرة. (متَّى 25).

أيُّها الأحبَّاء!
فلنكن تلاميذ كيرلُّس قدِّيس مصر العظيم وشفيع هذه الكنيسة! ولنتذكَّر تعليمه التوحيدي الأساسي، يسوع إله وإنسان معًا.
ولا ننسَ تعاليم يسوع الدَّاعية إلى الوحدة...
ولنسِرْ في خطى الكنيسة الرُّوميَّة المَلَكيَّة المنثقفة المنفتحة المتعاطفة المتفاعلة مع المجتمع، الشاملة الجامعة. ولنتَّحدْ مع الله ومع أخينا الإنسان! فهذا مختصر النَّاموس والأنبياء! ومع بولس نقول لكم: احفظوا وحدة الرُّوح برباط السَّلام!
ومع جبران وفيروز نقول: إذا شعرتَ بالسَّعادة واتحدت مع الله ومع أخيك الإنسان فلا تقلْ أنَّ الله في قلبي بل قُلْ أنا في قلب الله!
يوبيل مبارك للجميع!
ومعًا في مسيرة الإيمان والرَّجاء والمحبَّة نسير في الكنيسة الواحدة وفي هذه الرَّعيَّة والكنيسة في المئويَّة الثانية بنعمة المخلِّص وبركة أمِّنا مريم العذراء وشفاعة شفيع كنيستنا القدِّيس كيرلُّس. آمين.

مع محبتي وبركتي ودعائي

 

+ غريغوريوس الثالث
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والاسكندرية وأورشليم
للرُّوم المَلَكيِّين الكاثوليك