صاحب الغبطة يوسف
كلمة في استقبال العماد ميشال عون 2008
كلمة غبطة البطريرك غريغوريوس الثّالث
التي ألقاها في استقبال سيادة العماد ميشال عون الأكرم
بطريركيّة الرُّوم الملَكيِّين الكاثوليك – دمشق – 5 كانون الأوَّل 2008
1) أهلاً وسهلاً بكم يا سيادة العماد ميشال عون في هذه البطريركيّة.
إنَّنا هنا في حارة القدِّيس بولس، وهي حارة الجماعة المسيحيّة الأولى. لأنَّ دمشق قَبِلَت الإيمان المسيحي، في العام 35 بعد ميلاد السَّيّد المسيح. أعني سنتَين بعد آلام السَّيّد المسيح، وموته وقيامته، وصعوده إلى السَّماء، وحلول الرُّوح القدس، يوم العنصرة المجيدة. دمشق تُشكِّلُ هكذا أهمّ أقدم المُدُن، التي استقبلت بشرى السَّيِّد المسيح له المجد.
ودمشق اشتهرت بنوعٍ خاصّ مسيحيّاً، لكونِها مكان هِداية القدِّيس بولس، وبشارتِهِ الأولى فيها.
ومن دمشق انطلق الإناء المُصطفى بولس، رسولاً ليسوع إلى العالم أجمع.
ونستقبِلُكُم في مقرِّنا البطريركيّ الأنطاكيّ، والمعلوم أنَّ دمشق، هي موطن أوِّل بطريرك للرُّوم الملَكيِّين الكاثوليك عام 1724م، الذين منذ تاريخه هُم في وحدةٍ، وشراكةٍ كنسيّة كاملة، مع كنيسة روما.
ونستقبلُكُم زعيماً مسيحيّاً، يَحُجُّ إلى دمشق، في عام القدِّيس بولس _ العالم كلُّه _ يحجُّ إلى دمشق.
ونشكرُ لكَ عاطفتكَ المسيحيّة، التي أوحَت لكَ أن تزور الأماكن المُقدَّسة في دمشق، وهذه البطريركيّة وسِواها.
ومن وحيِّ يوبيل الألفَي سنة، لميلاد القدِّيس بولس، وهدايته في دمشق، نُقدِّمُ لكم هذه الخاطِرة الرُّوحيّة.
2) نحتاج إلى طريق دمشق! فليَسِرْ جميع النَّاس في العالم على طريق دمشق، لكي يتغيّر العالم وينتقل النَّاس من الظُّلمة إلى النُّور، من اللَّيل إلى النَّهار، من الخطيئة إلى البِرّ، من الاضِّطهاد إلى المحبّة، من العنف إلى اللُّطف، من الأنانيّة إلى التَّضحية، من الإرهاب إلى التَّضامن، من الأصوليّة إلى الانفتاح، من الكراهيّة والعداء والبُغض والاقتتال والثَّأر، إلى عواطف يصفها هكذا القدِّيس بولس: "ليكن فيكُم من الأفكار والأخلاق، ما هو في المسيح يسوع... ثمرُ الرُّوح هو المحبّة واللُّطفُ والعفاف...".
ما أجمل عالم بولس! يا ليت عالم رسائل بولس، يغزو عالمنا اليوم، هذا العالم المتألِّم، المُظلِم، الثَّائر، الحاقد، المُنتقم، المُحارب، المُستأثِر، المُستغلّ، المادِّي، الجسدي، الجنسي، السَّطحي، الأناني، الاستغلالي، المتقلِّب المُتأرجح، التَّائه، بلا مرشد، ولا مرجعيّة، ولا موجِّه ولا بوصَلَة، يهيمُ على وجهه، على غير وجه،...هذا العالم يحتاج اليوم إلى بولس!!! ومن وراء بولس، ومن خلال بولس، يحتاج إلى المسيح! إلى الإنجيل، إلى بشارة صالحة. يحتاج إلى الله... إنَّه حقّاً في جوعٍ وعطشٍ إلى الله... ولكنَّ المأساة، أنّ العالم لا يشعر بهذا الجوع وبهذا العطش، لأنَّ هموم هذا العالم، وشهواته، ومفاسده، وتفاهاته، وموَضَهُ، تخنق كلمة الله المزروعة في قلوب النَّاس، فلا تأتي كلمته تعالى بثمر... ولا يُسمَع صوتُ يسوع الحيّ القائم، المنتظر كلَّ واحدٍ "على طريق دمشقه، على الطَّريق المستقيم"
3) من جهةٍ أخرى، نُحِبُّ كمواطنين، أن نُرحِّب بكُلِّ المبادرات التي تُساعد في فتح الطَّريق بين دمشق وبيروت، ونحنُ شخصيّاً، أكثرُ النَّاسِ عبوراً على هذه الطَّريق، بحُكمِ موقعنا كبطريرك سوريا ولبنان، بالإضافة إلى موقعنا، كبطريرك أردني وفلسطيني ومصري، وعراقي وعربي عموماً...
وإنَّنا نعتبر أنَّ للبلَدَين الحبيبَين على قلبنا، سوريا ولبنان، رسالة مميّزة بين الدُّول العربيّة.
لبنان دعاه البابا يوحنّا بولس الثّاني الطُّوباوي، رسالة. وعليه أن يقوم بها، محلِّيّاً وإقليميّاً وعربيّاً وعالميّاً. ونتمنّى له الخير الأكبر، الوحدة المُستندة على محبّة صادقة، بين جميع اللُّبنانيِّين.
وسوريا دعاها سيادة الرَّئيس بشّار الأسد، لدى استقباله السَّعيد الذِّكر، البابا يوحنّا بولس الثّاني عام 2001: مهدُ المسيحيّة، ومُلتقى الحضارات. وهذا حقّ لأنَّ المسيح وُلِدَ في فلسطين، ولكنَّ المسيحيّة وُلِدَتْ وانتشرت أوَّلاً في سوريا.
ولسوريا دورها المُميّز، محلِّيّاً وعربيّاً وإقليميّاً ودوليّاً. ولا بُدَّ أن يتطوَّر هذا الدَّور، بالقيادة الحكيمة لرئيس هذا البلد، الدُّكتور بشّار الأسد.
وإنَّنا نعتبر أنَّ لبنان وسوريا، مُجتمَعان مُتَّحِدان ومُتميِّزان ومُتضامنان، لهما دورٌ فريد في العالم العربي: فهما دولتا المُجابهة في الصِّراع العربي – الإسرائيلي، إلى جانب الفلسطينيِّين. هذا الصِّراع الذي هو في أصل مُجمل أزمات بُلداننا العربيّة، ومن أهمّ أسباب هجرة أبنائنا...
ولبنان وسوريا، هُما واجِهَتا العالم العربي نحو الغرب، جُغرافيّاً وحضاريّاً وثقافيّاً، وسياسيّاً وروحيّاً واجتماعيّاً.
ومن هنا أهميّة العلاقات المُميّزة بين لبنان وسوريا، على أفضل وأسمى وأصفى، وأنبل وأشرف ما تكون عليه العلاقات.
إنَّ مسؤوليّة هذه العلاقات المُمتازة، هي على عاتق اللُّبنانيِّين والسُّوريِّين، سواءٌ بسواء.
4) وجميعُ المواطنين، لا بل جميع العرب، يُعوِّلون عليها، ويُبنون عليها الآمال العريضة.
ونحنُ نُتابع كُلّ هذه التَّطوُّرات بالصَّلاة، وببناء جسور المحبّة بين البلَدَين، وبين كُلِّ فئات المواطنين. ونحنُ أيادٍ ضارِعة لأجلهم جميعاً، بدون تميِّيزٍ ولا تفضيل. ولا نسمح لأحد أن يُجيِّر صلاتَنا وأدعيَتَنا، أو يحتكر محبَّتنا وتقديرَنا.
كُلُّ هذه الأمور، نحملُها في هذه الكنيسة المُقدَّسة، وفي كنائسِنا، ويرفعُها كهنتنا ورُهبانُنا وراهباتنا ومؤمنونا.
5) ومن هنا نُطلِقُ نداءَنا، الذي أصدرهُ البطاركة الشَّرقيّون في روما، في خِتام سينودُس الأساقفة، لأجلِ السَّلام والعدل، والأمن والاستقرار، بخاصَّة في فلسطين (وغزَّة بالذَّات)، وسوريا ولبنان والعراق. مُعتبرين أنَّ سلام الأرض المُقدَّسة، وسلام القُدس بالذَّات، وسلامُ بلادنِنا العربيّة، هي مِفتاحُ السَّلام للعالم أجمع.
ومهما كانت المصالح في العالم، فإنَّ السَّلام هو الذي يخدُمُ على أفضل نوع، مصالحنا كُلِّنا، لأنَّ السَّلام هو الخيرُ الأكبر لنا كُلَّنا.
6) نتمنّى لكُم شخصيّاً يا سيادة العِماد الأكرم، الصِّحّة والعافية. ونتمنّى لَكَ كمسيحي مُلتَزِم، قوَّةَ الإيمان والرَّجاء والمحبّة. ونتمنّى لَكَ كسياسي لبناني، وزعيم مسيحي، أن تَستلهِمَ أسمى قيَم إيمانِنا المُقدَّس في سياستِكَ، لأجل مصلحة لبنان الحبيب. ولأجل نموُّ وتطوُّر العلاقات اللُّبنانيّة – السُّوريّة.
وبخاصّة لكي تستحِقّ سوريا ولبنان معاً طوبى يسوع: "طوبى لِصانِعي السَّلام، فإنَّهُم أبناء الله يُدعَون".
ونقولُ لكُم يا سيادة العِماد، نُريدُ السَّلام! نُريدُ السَّلام! نُريدُ السَّلام!
والسّياسة الأهمّ لمُستقبل شبابِنا، هي سياسة العدل والمُصالحة، والمحبّة والسَّلام.
ولكُم خالِصَ محبَّتِنا وتقديرِنا.
غريغوريوس الثالث
البطريرك