صاحب الغبطة يوسف

كلمة خلال المؤتمر الصحفي في المجلس الكاثوليكي للإعلام عن السينودس لأجل الشرق الأوسط 2010

٢ ١١ ٢٠١٠

 

 
كلمة غبطة البطريرك غريغوريوس الثالث
خلال المؤتمر الصحفي في المجلس الكاثوليكي للإعلام
جل الديب، 2 تشرين الثاني 2010

 

السِّينودس لأجل الشرق الأوسط والعالم العربي
 

         طُلبَ منِّي أن أُعالج موضوع السِّينودس لأجل الشرق الأوسط والعالم العربي.
        إذا أردنا أن نضع معادلة حسابيّة بسيطة، نقول: مفهوم الشرق الأوسط يضمّ البلدان العربيَّة (بدون شمال إفريقيا)، وأُضيف إليها تركيا وإيران. بلدان الشرق الأوسط هي في غالبيَّتها عربيَّة، وغالبيَّة سكَّانها عرب مسلمون، وعددهم حاليًّا حوالي 350 مليون، وبينهم 15 مليون عربي مسيحي.
        إذاً السِّينودس لأجل الشرق الأوسط هو السِّينودس لأجل البلاد العربيَّة، سينودس العرب، سينودس المسيحيِّين العرب في مجتمعهم العربي، سينودس كنيسة العرب، وكنيسة الإسلام، أو سينودس الكنيسة في المحيط الإسلامي.
        إنَّه لَعُمري حدثٌ فريد هام وجدًّا. ونشكر قداسة البابا بندكتوس السَّادس عشر، الذي استجاب طلبنا ودعا إلى هذا السِّينودس الأوَّل من نوعه. وإنَّني أعتبره الحدث السِّينودسيَّ الكنسيَّ الأكبر بعد المجمع الفاتيكاني الثاني. وفيه كثُرَ الحديث عن الكنائس الشَّرقيَّة. أمَّا هنا في هذا السِّينودس، فالمنبر كان كلُّه للكنائس الشرقيَّة: البطاركة والمطارنة والرُّهبان والرَّاهبات والعلمانيُّون.
        ولا عجب أن يكون لقضايا الشرق الأوسط، والوجود المسيحي في الشرق العربي، وفي المحيط الإسلامي، مكانُ الصَّدارة في مواضيع السِّينودس.
        ولهذا حَرِصتُ أن أوجِّه إلى الملوك والأمراء ورؤساء الدُّول العربيَّة، رسالة أشرح فيها موضوع السِّينودس وأهدافه (رسالة حزيران 2010). وقد ورد في هذه الرِّسالة أنَّ هدف السِّينودس أو من أهدافه هو درس أوضاع المسيحيِّين في العالم العربي. وأكدتُ لهم أنَّ ضمانة المسيحي في المشرق العربي هم المسلمون.
        وفي الواقع فإنَّ العالم العربي، والوجود المسيحي في العالم العربي، والهويَّة المسيحيَّة في العالم العربي، وتحديَّات الحضور المسيحي في العالم العربي إلخ... كان محورَ العددِ الكبير من المداخلات والمناقشات والتوصيات أثناء السِّينودس.
        وعلى هذا الأساس أعددتُ رسالة ثانية موجَّهة أيضًا إلى الملوك والأمراء ورؤساء الدُّول العربيَّة، استعرضتُ فيها أهمّ القضايا التي نوقشَت في السِّينودس، ولها علاقة بالعالم العربي وهذا أهم ما ورد فيها:

رسالة إلى الملوك ورؤساء الدول العربية
بعد سينودس روما

سلام وتحية مع المحبَّة والدعاء،
لقد سبق أن توجَّهنا إليكم برسالة بتاريخ 18 حزيران 2010، حول المجمع الخاصّ بالشرق الأوسط بعنوان "الكنائس الكاثوليكية: شركة وشهادة".
في ختام هذا المجمع يسرُّنا أن نتوجَّه إليكم بهذه الرِّسالة حاملة إليكم هذه الخواطر:

لقد كانت اللُّغة العربيَّة مع غيرها، لغة رسمية في السِّينودس. وقُدِّمَت توصية باستخدامها في الدَّوائر الرُّومانيَّة في دولة الفاتيكان. وهذا إنجاز كبير، وهديَّة للعالم العربي من بطاركة وأساقفة الشرق العربي للعالم العربي! ذلك أنَّهم يعتبرون بحقّ أنَّ اللُّغة العربيَّة هي لغة حضارتنا وإيماننا ومجتمعنا. والقاسم المشترك الكبير في بلادنا العربية.

بالطَّبع كان الشرق العربي، بالإضافة إلى تركيا وإيران، موضوع الاهتمام الأكبر للمجمع (السِّينودس).

وبالتحديد كانت مفاهيم ومضامين العيش المشترك والعيش معًا والتعايش والمواطنة والعلمانيَّة المؤمنة وحقوق الإنسان وحقوق المرأة، والحرِّيَّة الدِّينيَّة، حرِّيَّة العبادة والمعتقد، وبناء الكنائس وبخاصَّة في المملكة العربيَّة السعوديَّة واحترام معتقدات الآخر، والتعدُّديَّة والتنوُّع ونبذ التعصُّب والعنف والأصوليَّة السلبيَّة، والتطرُّف والإرهاب والاضطهاد واستغلال الآخر، بخاصَّة الضعيف، والمغلوب على أمره، هذه كلّها كانت حاضرة في مناقشات السِّينودس. وموضوع المئات من المقابلات مع وسائل الإعلام المرئيَّة والمسموعة والمكتوبة.

وبالأخصّ كان حاضرًا لكل مداولات أعضاء السِّينودس الحوار الإسلامي – المسيحي في كل أبعاده وأشكاله وأهميَّته، لا بل ضرورته الملحَّة، وتنشيطه وتطويره، ودعمه من قبل الجميع مسيحيِّين ومسلمين.

وناقش الآباء التَّحديات التي تواجه الحضور المسيحي ومنها الهجرة، وعدم الاستقرار والأزمات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، والسِّياسيَّة والحروب المتتالية في المنطقة... وقد تفاقمت بخاصَّة بسبب الصِّراع الفلسطيني الإسرائيلي وهو أساس الكثير من ويلات مجتمعنا وآفاته. فقد تسبَّب في زرع البغض والكراهية بين المواطنين محليًّا وإقليميًّا وعالميًّا، مسيحيًّا وإسلاميًّا، وفي الأصوليَّة والإرهاب والعنف... وظهرت الصورة في العالم وكأنَّ الإنسان العربي، والمسلم وحتى المسيحي، يولَدُ إنسانًا إرهابيًّا وأصوليًّا! وكأنَّ الدِّين أصبح سبب العنف والإرهاب والأصوليَّة! والدِّين براء من كل ذلك! وهكذا أصبح مجتمعنا معنَّفًا! وطالت هذه الآفات بخاصّة شبابنا وأجيالنا الطَّالعة!

بحث أعضاء السينودس عن الأدوية لهذه الآفات. ووجدوا الدَّواء الناجع بخاصَّة في الحوار المسيحي الإسلامي، الذي يجب أن يكون خبزنا اليومي في المشرق العربي. لا بل هذه كانت خبرتنا في العيش المشترك في تاريخنا المشترك على مدى ألف وأربعمئة سنة، بالرَّغم من مراحل قاتمة أو مشاكل طارئة، أو ضغوطات، أو حتى مجازر راح ضحيَّتها الألوف، وتسبَّبت في فقدان الثِّقة بالعيش المشترك، وبالآخر، وبقيمه. واستشرى العداء، وتقلَّصت أواصر الرَّحمة والمودَّة والتَّضامن في مجتمعاتنا.

وشدَّد أعضاء السينودس على تخطّي هذه الأزمات والحواجز والصُّعوبات. وضرورة متابعة السَّير معًا. لا بل اعتبروا أنَّ نجاح تجربتنا الفريدة والصَّعبة في العيش المشترك هو ضمانة نجاح الحوار بين مؤمني الأديان والمعتقدات المختلفة. لا بل تبيَّن للجميع واضحًا، وإلى ذلك أشارت الصَّحافة كلّها بتكرارٍ وإصرار، بأنَّ سقوط وعدم نجاح تجربتنا التعايشيَّة، مسلمين ومسيحيِّين، في الشرق الأوسط، سيكون هدّامًا لكلِّ إمكانيَّات الحوار، وسيؤذن بالخطر المتطاير، بأنَّ كلَّ حوارٍ بين البشر، وبين الحضارات والأديان، شرقًا وغربًا، سيكون فاشلاً.

وإذ ذاك ستكون المعادلة الناتجة من هذا الواقع كالتالي: إذا أُفرِغَ الشرق من مسيحيِّيه وهو مؤشّرُ ونموذجُ التَّعدُّديَّة والحوار فيه، فأصبح الشرق العربي مسلمًا بدون مسيحيِّين، واعتُبر الغرب مسيحيًّا (ولو غير مؤمن وفقط بالمعموديَّة)، وهذا الغرب يدعم إسرائيل المعتَبرَة عدوًا للإسلام والمسلمين، تحتَّم أن تكون المعادلة كالتالي: الغرب المسيحي يدعم الوجود الإسرائيلي واليهودي، والذي يُعتبَر عدوَّ الإسلام. وبالتالي العالم المسيحي الأوروبي هو عدوّ الإسلام والمسلمين. وهذا هو الشرُّ المتطاير! وهذا هو المستقبل المظلم المرعب! لا سمح الله بحدوثه!

وكان السَّلام من المحاور الأساسيَّة لمداولات واقتراحات وتوصيات هذا السينودس. فالسَّلام هو الخير الأكبر وهو المفقود الأكبر! وهو التحدّي الأكبر! وهو المطلوب الأكبر من قبل جميع الفرقاء! وهو مسؤوليَّة ملقاة على كاهلنا جميعًا: الشرق والغرب! العرب والأوروبيُّون والأميركيُّون! وشدَّد الآباء على دور الفاتيكان وقداسة البابا بالذَّات بسبب نفوذه العالمي. كما شدَّد البطاركة والمطارنة الشرقيُّون على أهميَّة دورهم في العمل لأجل السَّلام. كما أنَّ السَّلام هو مسؤوليَّة عربيَّة كبرى، لا بل هي المسؤوليَّة الأكبر! فالدُّول العربيَّة متَّحدة متضامنة متوافقة، مصرّة مصمِّمة بعناد وشهامة، يمكنها أن تفرض على الإسرائيليِّين وحتَّى على أميركا والدُّول الأوروبيَّة، يمكنها أن نفرض سلامًا عادلاً وشاملاً دائمًا. وتُزيل الاحتلال الإسرائيلي، وتُعيد إلى الشعب الفلسطيني حقوقه المسلوبة وحرِّيَّته وكرامته في دولته.

فالسَّلام الشجاع هو الجهاد الأكبر والتحدي الكفيل بأن يُجيب على التحديات والتساؤلات والمخاوف والهواجس التي تلفُّ منطقتنا كلَّها. وهذا السَّلام الشجاع هو وديعة في قلوبكم وأفكاركم وقراراتكم.
واليوم نعود نحن الرُّعاة إلى أوطاننا وهي مهد المسيحيَّة ومهد الإسلام واليهوديَّة. ما فكّرنا به وناقشناه، سنعيشه معكم في أوطاننا. والتَّحديات التي درسناها تعرفونها وسنواجهها معكم وأنتم معنا، وأنتم ونحن معًا. سنتواصل معكم وسنتحدَّى التَّحديات معًا لأجل مستقبلٍ أفضل لأجيالنا، أنتم ونحن، مسيحيِّين ومسلمين، لكي يحقِّق الرَّبُّ آمالنا وأدعيتنا وتطلُّعاتنا. وكما كتبتم لقداسة البابا تلك الوثيقة بعنوان "كلمة سواء"، نحن الآن سنضع هذه الورقة عمليًّا لكي نقول معًا "كلمة سواء" لأجل السَّلام لكي يعيش مواطنونا كلُّهم بالمودَّة والرَّحمة والتراحم.
نطلب من الله تعالى لأجل أوطاننا العربيَّة، ونبقى معًا فيها مسيحيِّين ومسلمين، ملحًا ونورًا وخميرةَ خيرٍ وإيمانٍ ورجاءٍ ومحبَّة" (ختام الرِّسالة).
إنطلاقًا من كلِّ ما تقدَّم أُحبُّ أن أُخاطب إخوتي وأبنائي وبناتي المسيحيِّين، وأُخاطب أيضًا إخوتي المسلمين وأخواتي المسلمات، بخطابٍ روحيٍّ إيمانيٍّ يُعبِّر عن ثوابتي الرُّوحيَّة والإيمانيَّة والمسيحيَّة والإنسانيَّة والمجتمعيَّة.
لقد خلقنا الله في هذا المشرق، في هذه الأرض المقدَّسة. وهي أرضٌ مقدَّسة لليهود، قبلنا، وللمسلمين بعدنا. وهذا قاسم مشترك مهمّ جدًّا، وقلَّما نُعطيه القيمة التي يستحقَّها. إنَّه قاسم قداسة الأرض والأوطان العربيَّة. وقداسة الكتب المقدَّسة. وقدسيَّة القيَم الإيمانيَّة المشتركة، وهي كثيرة جدًّا. وقد عبَّر عنها المجمع الفاتيكاني الثاني في سياق كلامه عن علاقة الكنيسة الكاثوليكيَّة باليهود والمسلمين.
إنَّ هذا التواجد المسيحي الإسلامي اليهودي في هذه المنطقة هو أمرٌ فريدٌ جدًّا، وهامٌّ جدًّا، وحيويٌّ جدًّا. وهو واقعٌ له تأثيره على كلِّ مرافق حياتنا المسيحيَّة الإيمانيَّة، والوطنيَّة، والقوميَّة، والثقافيَّة والحضاريَّة...
وعلينا مهما كانت الظروف، والعقليَّات، والتَّيارات الفكريَّة والدِّينيَّة، أن نتعامل مع هذا الواقع، أعني التواجد المسيحي- الإسلامي- اليهودي في المشرق العربي. علينا أن نُفتِّش عن القيَم الإيمانَّة المسيحيَّة- الإسلاميَّة، ونجعلها موضوع دراسات ومؤتمرات وندوات ولقاءات مسيحيَّة- إسلاميَّة، ونضع برامج عمل فكري أكاديمي روحي، إيماني تكون مشتركة بين المسيحيِّين فيما بينهم، وبين المسيحيِّين والمسلمين.
ومن وحي السِّينودس لأجل الشرق الأوسط، تردني فكرة مشروع هامّ: وهو عقد سينودس للشرق الأوسط في الشرق الأوسط، يضمُّ الكنائس كلَّها، الكاثوليكيَّة والأرثوذكسيَّة والإنجيليَّة.
كما راودتني فكرة عقد سينودس أو مجمع مسيحي – إسلامي في الشرق الأوسط، تُطرح فيه على بساط البحث كلّ الموضوعات التي وردت في وثائق السِّينودس: في الوثيقة الأولى التوجيهيَّة، وفي ورقة العمل، وفي عرض موضوع السِّينودس في مطلعه، وفي المناقشات والمداخلات، وفي التوصيات، وفي النداء الختامي.
والواقع أنَّ كلّ هذه الوثائق، تتكلَّم عن الوجود المسيحي بخاصَّة في علاقته مع المجتمع الإسلامي. وهذه بعض الفقرات من النداء الختامي والمتعلِّقة مباشرةً بموضوعنا في هذه النَّدوة:
الرَّقم 2-3: "النوع الثاني من التحدّيات هو ما يأتينا من الخارج، من الأوضاع السياسية والأمنية في مجتمعاتنا ومن التعدّدية الدينية فيها.
الرَّقم 2-3: "بحثنا في الوضع الاجتماعي والأمني في كل بلدان الشرق الأوسط، وأدركنا تأثير النزاع الإسرائيلي الفلسطيني على المنطقة كلها ولا سيما على الشعب الفلسطيني الذي يعاني من نتائج الاحتلال الإسرائيلي: الحدِِّّ من حرية الحركة، والجدار الفاصل والحواجز العسكرية، والأسرى وتدمير البيوت واضطراب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وآلاف اللاجئين. كما فكّرنا في ا?لام الاسرائيليّين وعدم الاستقرار الذي يعيشون فيه. واستوقفتنا المدينة المقدّسة? القدس، وقد شعرنا بالقلق بسبب الإجراءات الأحادية الجانب التي تهدد وضعها وتوشك أن تبدّل التوازن السكاني فيها. وأمام هذا كلّه نرى أنَّ صنع السلام النهائي والعادل هو المخرج الوحيد للجميع ولخير المنطقة وشعوبها.
4-3: "ووقفنا عند علاقات المواطنين بعضِهم مع بعض، وعند العلاقات بين المسيحيين والمسلمين. وهنا نؤكّد مبدأ أساسيًّا، في رؤيتنا المسيحية، يحكم هذه العلاقات: وهو أن الله يريدنا أن نكون مسيحيّين في مجتمعاتنا الشرق أوسطية ومن أجلها. إنها مشيئة الله فينا وهي رسالتنا ودعوتنا أن نكون مسيحيين ومسلمين معًا. وفي ضوء وصيّة المحبّة وقوّة الروح فينا نقيم هذه العلاقات.
والمبدأ الثاني الذي يَحكُم هذه العلاقات هو أنّنا جزء لا يتجزّأ من مجتمعاتنا. فرسالتنا المنبثقة من إيماننا وواجبنا تجاه أوطاننا يحتّمان علينا أن نسهم في بناء بلداننا مع كل مواطنينا، المسلمين واليهود والمسيحيين.
9-5: "يجمعنا وإيّاكم الإيمان بالله الواحد، والعمل بالمعروف والنهي عن المنكر. إنّ بيان المجمع الفاتيكاني الثاني في العلاقات مع الديانات يشكّل حجر الأساس لعلاقات الكنيسة الكاثولكية مع المسلمين: "تنظر الكنيسة بتقدير إلى المسلمين الذين يعبدون الله الأحد، الحي القيوم، الرحمان القدير، الذي كلَّم الناس" (العلاقات مع الديانات، 3).
نقول لمواطنينا المسلمين: إنّنا إخوة، والله يريدنا أن نحيا معًا، متّحدين في الإيمان بالله الواحد ووصيّة محبّة الله ومحبّة القريب. معًا سنعمل على بناء مجتمعات مدنية مبنية على المواطنة والحرّية الدينية وحرّية المعتقد. معًا سنتعاون لتعزيز العدل والسلام وحقوق الإنسان وقيم الحياة والعائلة. إنّ مسؤولياتنا مشتركة في بناء أوطاننا. نريد أن نقدّم للشرق والغرب نموذجًا للعيش المشترك بين أديان متعدِّدة وللتعاون البنَّاء بين حضارات متنوّعة لخير أوطاننا ولخير البشرية جمعاء.
منذ ظهور الإسلام في الشرق الأوسط في القرن السابع وإلى اليوم نعيش معًا ونتعاون في بناء حضارتنا المشتركة.  لقد حصل في الماضي، وقد يحصل اليوم أيضًا بعضُ الخلل في العلاقات بيننا. فعلينا? بالحوار? أن نزيل كل سوء فهم أو خلل. والحوار، كما يقول قداسة البابا بندكتس السادس عشر، ليس بيننا أمرا عابرًا بل هو ضرورة حيوية يتعلّق بها مستقبلنا. (راجع: اللقاء مع ممثلي الجماعات الإسلامية في كولونيا في 20/8/2005). فمن واجبنا تربية مؤمنينا على الحوار الديني وعلى قبول التعدّدية الدينية وعلى الاحترام والتقدير المتبادلَيْن.

 

سادسا: مشاركتنا في الحياة العامة: نداء إلى حكوماتنا وقادتنا السياسيين
10. نحيّيكم ونقدِّر الجهود التي تبذلونها من أجل الخير العام ونموّ مجتمعاتنا. إنّنا نرافقكم بصلواتنا ونسأل الله أن يلهمكم ويسدِّد خطاكم. وإليكم نوجّه كلمتنا بخصوص المساواة بين المواطنين. فالمسيحيون مواطنون أصليون وأصيلون يعيشون في الولاء التام لأوطانهم ويؤدُّون واجباتهم الوطنية كاملة، فمن الطبيعي أن يتمتعوا بكامل حقوق المواطنة، ومنها حرية المعتقد وحرية العبادة، وحرية التربية والتعليم واستخدام وسائل الإعلام.
إنّنا معكم في كل الجهود التي تبذلونها من أجل تحقيق سلام عادل ودائم في المنطقة كلّها، والحد من السباق إلى التسلح، مما يؤدي إلى الأمن والازدهار الاقتصادي، فيتوقّف نزيف الهجرة التي تفرّغ بلداننا من قواها الحية. إن السلام هبة ثمينة من الله للناس. قال السيد المسيح: "طوبى لصانعي السلام فإنهم أبناء الله يُدعَون" (متى 5: 9).

سابعا: نداء إلى الأسرة الدولية
11. إنّنا نناشد الأسرة الدولية ولا سيما منظمة الأمم المتحدة أن تعمل جادّة من أجل تحقيق السلام العادل في المنطقة، وذلك بتطبيق قرارات مجلس الأمن وباتخاذ ما يلزم من إجراءات قانونية، لإنهاء الاحتلال في مختلف الأراضي العربيّة.
وهكذا يستطيع الشعب الفلسطيني أن يكون له وطنه السيّد المستقل ليعيش فيه بكرامة واستقرار. وتتمكّن دولة إسرائيل من أن تنعم بالسلام والأمن داخل الحدود المعترف بها دوليا. وتجد مدينة القدس الصيغة العادلة للمحافظة على طابعها الخاص وعلى قداستها وتراثاتها الدينية لكلٍّ من الأديان الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام. كما نرجو أن يصير حلاً لدولتين واقعًا حقيقيًّا ولا يبقى مجرّد حلم.
ويستطيع العراق وضع حد لنتائج الحرب الدامية وإقرار الأمن الذي يحمي جميع مواطنيه بكافة مكوناته الاجتماعية والدينية والقومية.
وينعم لبنان بسيادته على كامل أرضه ويقوِّي وحدته الوطنية ويواصل دعوته إلى أن يكون نموذجا في العيش الواحد بين المسيحيين والمسلمين من خلال حوار الثقافات والأديان وتعزيز الحريات العامة.
إننا نندّد بالعنف والإرهاب من أي جهة أتى، وبكل تطرّف ديني. نشجب كل أشكال العنصرية، اللاسامية واللامسيحية والاسلاموفوبيا. وندعو الأديان إلى الاضطلاع بمسؤولياتها لتعزيز حوار الثقافات والحضارات في منطقتنا وفي العالم أجمع" (ختام المقتطفات من النِّداء الختامي).
لا بدَّ من خطوات جريئة نبويَّة، تتحلَّى بالصِّدق والإخلاص والمودَّة والتَّقدير تجاه العالم الإسلامي.... إذ إنَّ متابعة نموّ الأصوليَّة والحركات الإسلاميَّة المتطرِّفة، والسَّلفيَّة مع كلِّ مؤسَّساتها... يمكن أن يقود عالمنا المشرقي العربي إلى نتائج وخيمة جدًّا، تطال بنوعٍ خاصّ الشباب مسلمين ومسيحيِّين، وهم يؤلِّفون 60% من العالم العربي، إنفتاحنا على بعضنا البعض ضروري وحيوي ومصيري؛ المسيحيُّون على المسلمين والمسلمون على المسيحيِّين، لأنَّ مصيرنا مرتبط بتطوُّر عالمنا العربي، في أمور، منها:
مفهوم الدِّين والدَّولة - وعلاقة الدِّين بالدَّولة.
_ الحداثة.
_ حقوق الإنسان.
_ حقوق المرأة.
_ حرِّيَّة العبادة والعقيدة.
ومقولة: الدِّين الأفضل.
وعلينا مسيحيِّين ومسلمين أن نصل إلى قناعات مشتركة. منها أنَّ تطوُّر التيارات الأصوليَّة على أنواعها هي خطرٌ علينا جميعًا، على المسيحيَّة والإسلام، وعلى المسيحيِّين والمسلمين. وعلينا مسيحيِّين ومسلمين أن نسهر على القيَم الإيمانيَّة، والرُّوحيَّة والدِّينيَّة الصحيحة والقيَم الإنسانيَّة، قيمة الإنسان وكرامته وحرِّيَّته.
فهذه هي أساس التَّطوُّر المجتمعي الذي يضمن مستقبلاً أفضل لنا جميعًا مسيحيِّين ومسلمين، ومواطنين عربًا في أوطاننا العربيَّة الواحدة.
هذا ما استنتجته من مناقشات السِّينودس، والجوّ الذي سيطر عليه.
لا بل أجرؤ أن أقول أنَّ كلَّ جهودنا في سبيل تثبيت الإيمان في رعايانا، وفي سبيل إقامة مشاريع إجتماعيَّة وثقافيَّة وصحيَّة، وشبابيَّة، وحتَّى بناء المساكن وتوفير القروض وفرص العمل. وكلَّ المشاريع التي يُطالب بها أبناؤنا من رعاة كنائسهم، لكي ينالوا دعمهم، ويساعدوهم على عدم الهجرة...
كلّ هذه الجهود الإيمانيَّة والرُّوحيَّة الشبابيَّة والاجتماعيَّة... كلّها مرتبطة بتطوُّر مجتمعنا العربي، المسيحي والإسلامي، إنَّها مرتبطة بتطوُّر القيَم التي أشرنا إليها أعلاه. وهذا التطوُّر هو مسؤوليَّة مسيحيَّة إسلاميَّة. وبمقدار ما نتوفَّق أن نجعل من كلِّ ذلك قيَمًا مشتركة، ونعمل معًا في سبيل تحقيقها في مسيرة مشتركة وخطَّة مشتركة، وقناعات مشتركة، نكون قد بلغنا الهدف: هذا هو مستقبل وجودنا وحضورنا وشركتنا وشهادتنا.
لا بل أجرؤ وأقول: إنَّ نجاح عملنا الرَّاعوي، الحركات الرَّسوليَّة، الشبابيَّة، التَّعليم الدِّيني، تنشئة الكهنة والرُّهبان والرَّاهبات، كلّ هذا مرتبط بتطوُّر المسيرة المشتركة المسيحيَّة والإسلاميَّة...
ومن جهةٍ أخرى طبعًا هناك عقبة كبرى أمام هذه المسيرة وهذا التطوُّر: وهو الصِّراع الإسرائيلي الفلسطيني... ولا بدَّ من إحلال السَّلام في منطقتنا العربيَّة... وسيكون للسَّلام التَّأثير الكبير على تطوُّر كلّ القيَم التي أشرنا إليها سابقًا... وعلى تخفيف وطأة الهجرة التي ينزف منها مجتمعنا العربي المسيحي بخاصَّة.
إنَّ تطوُّر مجتمعنا المسيحي الإيماني... مرتبط بتطوُّر مجتمعنا الإسلامي، والمحافظة على قيًمنا الإنجيليَّة لها علاقة كبيرة بتطوُّر المجتمع الإسلامي.
هذا ما تأكَّدتُ منه من مراقبة مسيرة السِّينودس ومجمل المداخلات والمناقشات. ولهذا فإنَّ متابعة السِّينودس ووضع تصوُّراته ورؤيته وتوصياته موضع العمل، يجب أن تتحقَّق داخل الكنيسة، ولكن أيضًا بالتواصل مع مجتمعنا العربي ذي الأغلبيَّة المسلمة.
هذا هو معنى دعوة مسلمين للمشاركة في السِّينودس، وأُتيحَ لهم الكلام. كما دُعيَ أيضًا حاخام يهودي للكلام.
وهذا طبيعيّ! لأنَّ الإنسان ابن بيئته ومجتمعه.
وأُنهي بالمقطع الأخير من رسالتي إلى الملوك والأمراء والرُّؤساء العرب:
يا أصحاب الجلالة والفخامة والسيادة،
"كُنّا قد كتبنا لكم في رسالتنا السَّابقة أنَّ ضمانة الحضور المسيحي والوجود المسيحي والمستقبل المسيحي والدَّور المسيحي وأمن المسيحي وأمانه واطمئنانه في حاضره ومستقبله وأسرته ولقمة عيشه... كلّ هذا منوطٌ بكم! منوطٌ بإخوتنا المسلمين! "فأنتم ضمانتنا.
والآن وبعد ختام السِّينودس نقول لكم اليوم أيها الأصدقاء الأكارم: أنتم ضمانة نجاح السِّينودس الذي عُقِدَ في روما! أنتم ضمانة متابعة مسيرة الحوار وضمانة نجاح أعمال المؤتمر ومتابعة توصياته، واقتراحاته وتطلُّعاته".
وعلى الله اتكالنا بأن يكون هذا السِّينودس بَدء مسيرةٍ إيمانيَّة وحواريَّة، وطنيَّة، عربيَّة، إسلاميَّة مسيحيَّة مشتركة، لأجل مستقبل أفضل لنا جميعًا.

غريغوريوس الثالث
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والإسكندرية وأورشليم
للروم الملكيين الكاثوليك