صاحب الغبطة يوسف

بيان عن محاضرة بعنوان "السلام، العيش المشترك والحضور المسيحي في المشرق" 2007

١٨ ٥ ٢٠٠٧



 


محاضرة غبطة البطريرك بعنوان "السلام، العيش المشترك والحضور المسيحي في المشرق"في الربوة يوم الجمعة 18 أيار 2007
                                                                            

حاضر بطريرك انطاكية وسائر المشرق والإسكندرية وأورشليم للروم الكاثوليك غريغوريوس الثالث في المقر البطريركي في الربوة يوم الجمعة 18 ايار 2007، بدعوة من المجلس الأعلى لطائفة الروم الكاثوليك ومركز "اللقاء" عن "السلام، العيش المشترك والحضور المسيحي في المشرق"، في حضور: وزير الدولة لشؤون مجلس النوّاب ميشال فرعون والنائب بيار دكّاش، الوزير السابق سليمان طرابلسي، النائب السابق أنطوان حدّاد، مدير عام أمن الدولة العميد الياس كعيكاتي، عضو لجنة الحوار الإسلامي-المسيحي محمد السمّاك، القاضي عبّاس الحلبي، الأستاذ كميل منسّى، وأمين عام المجلس الأعلى للروم الكاثوليك السفير فؤاد الترك، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي روجيه نسناس، نقيب المحامين السابق عصام كرم، المعاون البطريركي المطران ميشال أبرص، النائب البطريركي في القدس المطران جورج بكر، رئيس غرفة التجارة والصناعة في زحلة إدمون جريصاتي، وأعضاء المجلس الأعلى للروم الكاثوليك، ولفيف من كبار الضباط والقضاة ورؤساء البلديات وعمداء الجامعات والكهنة والراهبات.

ورأى أن الحضور المسيحي في المنطقة هو أساس العيش المشترك، وهذا الحضور يذوب رويداً رويداً بسبب الهجرة التي تتبع كل حرب أو أزمة، وأكد أن الحفاظ على العيش المشترك لا يتم إلا بإحلال السلام الشامل والعادل والدائم في المنطقة.

واعتبر أن الأزمات والحروب والويلات في الشرق الأوسط هي افرازات ونتائج الصراع العربي- الإسرائيلي، مؤكداً أن الحركات الأصولية على اختلافها، والشقاق والنزاعات داخل العالم العربي، وتباطؤ التطور والإزدهار، ونمو البغض والكراهية وفقدان الأمل والإحباط والقرف لدى الشباب، كلها أيضاً من افرازات هذا الصراع.

ولاحظ أن الوفاق المرجو بين العرب هو وحده الكفيل بإعادة السلام لإقرار العدل في فلسطين وفي الشرق الأوسط، وهذا يفترض موقفاً عربياً موحداً ثابتاً وفاعلاً وصريحاً، حول القضية الفلسطينية، ولأجل حلها يفترض أيضاً موقفاً أميركياً وأوروبياً صريحاً وثابتاً وموحداً.

وشدد على أهمية أن نتمكن من كسب معركة السلم والحرب معاً، معركة صادقة في سبيل العدالة والإستقرار والإنماء، معتبراً أن الوحدة العربية وحدها هي القادرة على فرض حل سلميّ على اسرائيل وعلى أميركا وأوروبا والأمم المتحدة.

ورأى أن لبنان والمنطقة يقفان اليوم أمام منعطف تاريخي خطير جداً ومنذر بويلات لا تحصى، لذا على العرب والإسرائيليين أن يتخذوا كل من جهته العبر الحقيقية من الحرب الحاقدة والمدمرة والدامية على لبنان والتي فاقت ضراوتها باقي الحروب في المنطقة.

واعتبر أن السياسة التي تقوم على ممارسة الضغوط المختلفة على الدول العربية أو سواها، ايران وسوريا... والأحكام القاسية والتنكيل بحماس وحزب الله، أو بالأصولية و المتطرفين الإسلاميين، إنما هو هروب إلى الأمام وسياسة النعامة، والتنصل من تحمل المسؤولية الحقيقية التي تفرض على الجميع التصميم الصريح والسعي الصادق، وراء توافق واتفاق حقيقيين في احلال السلام وتحقيق العدالة في الأراضي المقدسة التي أصبحت على مدى أكثر من نصف قرن، أصل كل الصراعات والحروب في المنطقة والعالم، وقال: " إننا نحن الكنيسة العربية، وكنيسة العرب، وكنيسة الإسلام، نتوجه بعزم وتصميم إلى العرب وإلى الدول الأوروبية والغرب، ونحذر الجميع من مغبّة التسويف إلى ما لا نهاية له، في حل القضية الفلسطينية وكل القضايا العربية".

وحذر دعاة الشرق الأوسط الجديد وقال: لا شرق أوسط جديد في عالم عربي منقسم ! ومن يراهن على تقسيم العالم العربي إلى "جزر طائفية" وكانتونات لكي يولد الشرق الأوسط الجديد، فإنه خاسر لا محالة. إذ لا يمكن أن تكون ديمقراطية في دولة عربية دون الأخرى، ولا مجتمع ديمقراطي دون الآخر.
 
ولفت إلى أن هنا يكمن دور المسيحيين في العالم العربي وفي ميلاد شرق أوسط جديد حقيقي. دور المسيحيين العرب هوأن يعمل على خلق مناخ من الثقة بين الغرب من جهة والعالم العربي والإسلام من جهة أخرى.

وتوجه إلى الغرب بالقول: إذا نجحتم في تقسيم العالم العربي وتقسيم المسلمين فيما بينهم إلى شعوب وفرق، وفي تقسيم المسيحيين والمسلمين فإنكم ستبقون تعيشون في خوف من العالم العربي ومن العالم الإسلامي. وأشار إلى أهمية دور أوروبا المسيحية في خلق الثقة بين الشرق والغرب، وهنا يكمن دور كنيسة روما في مضاعفة الجهود وبذل المساعي لدى دول الغرب لتحقيق الهدف الواحد المشترك وهو احلال السلام.

كما توجه إلى المسلمين بالقول:" نريد أن نعيش معاً ونكمل مسيرة الأجيال السابقة، ولا نريد أن نكون "ذميين" محميين ... بل نريد أن نكون مواطنين مثلهم، لنا ولهم نفس الحقوق والواجبات. ونريد أن نبني معهم أوطاننا ونسهم في مستقبل أفضل. هكذا كان دور المسيحيين في التاريخ. فلا نطلب حماية من إخوتنا المواطنين المسلمين، بل مساواة وتكافوءاً في فرص العمل والمهنة. نريد عيشاً مشتركاً وتعايشاً بكل ما تحويه هذه العبارات من محبة وثقة واحترام وإكرام ومسؤوليات مشتركة، وتضامن ومسيرة مشتركة وعطاء وتضحيات في سبيل أوطاننا. ونريد أن نشعر بهذا المناخ في كل بلادنا العربية بدون استثناء. فالمسيحي مواطن عربي في كل بلد عربي، أكان عديد المسيحيين قليلاً أو كثيراً، أكانوا فقراء أو أغنياء... لهم حق المواطنة الكاملة وفي كل قطر من الأقطار العربية وبدون استثناء. ولهم حق الحرية الكاملة في ممارسة شعائرهم الدينية، وبناء كنائسهم لتتعانق مع مساجد إخوتهم المسلمين".

وذكر بنداء البطاركة الشرقيين الكاثوليك الذي كان تحت عنوان الكنيسة وأرض الوطن، والذي جدد العزم على العمل مع المؤسسات الكنسية والحكومات وأصحاب القرار محلياً وإقليمياً ودولياً، ومع ذوي الإرادات الحسنة، والقادرين المتمولين، من أجل ايجاد المبادرات الكفيلة بتوفير الإستقرار السياسي والإقتصادي والأمني والإجتماعي، مؤكداً الحرص على تفعيل دور المسيحيين في بلدانهم في مختلف مجالات الحياة العامة، خصوصاً وأن للمسيحيين في هذا الشرق دوراً هو بمثابة حلقة وصل بين الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحية، فلا يجوز أن يتقلص هذا الدور اسهاماً في إحلال السلام في المنطقة والعالم.

وأكد أن العيش المشترك هو مستقبل هذه البلاد. وهذه مقولة تصحُّ للمسيحيين والمسلمين. ويعني قبول الآخر كما هو واحترامه واكرامه. الاعتراف بمواطنته وكلِّ الحقوق المتحدِّرة عن هذه المواطنية. وهي حقوق الانسان كلِّ إنسان على هذه البسيطة وفي هذا الشرق، لافتاً إلى أن المسيحيين هم عنصر هام في هذا العيش المشترك. لأنه لا عيش مشترك بدون تعدُّدية، مضمونها أن المجتمع يضم المسيحي بجميع فئاته وطوائفه والمسلم بكلِّ فئاته وطوائفه والدرزي أيضًا واليهودي.

وقال أن هذا العيش المشترك مهدّد بسبب الهجرة التي سببُها الأشد خطورة، هي الحروب والأزمات والتي أصلها كما قلنا كامن في الصراع الإسرائيلي ـ العربي والظلمِ الحاصل بسببه. ومن إفرازاته التطرّف والتزمّت والأصولية والعنف والإرهاب ومشاعر العداء والكراهية في المجتمع، وعدم المساواة في الحقوق وفرصِ العمل، والمشاركةِ في وظائف الدولة وإداراتها، في المجالس النيابية وفي الوزارات والمناصب والخدمات الأخرى، مشيراً إلى أن هذه الهجرة إذا بقيت على وتيرتها واستمر نزيفها، فهذا يعني تفريغ الشرق من تعدديته المسيحية. ويعني انهيار مقولة العيش المشترك. فالمسيحي لا يمكنه أن يصمد أمام مسلسل النكبات والأزمات والحروب والصراعات، مشدداً على أن ما يساعد المسيحي على الصمود أمام هذه المصاعب وعدم الهجرة، هو القناعة الإيمانية أن بقاءه في البلاد العربية حيث ولدت المسيحية، وحيث زرعه الله مسيحيًا، هو بذاته رسالة ودعوة، وهذه الدعوة محتواها أن الكنيسة المسيحية، ولنقل هنا بخاصة الأنطاكية، هي، كما أردّده دائمًا، كنيسة عربية بجذورها وقوميتها. والأهم من ذلك أنها كنيسة العرب وكنيسة الإسلام. إنها كنيسة عمانوئيل: الله معنا ولأجلنا. وهي بدورها كنيسة مع ولأجل الآخر. وهذا

الآخر هو المواطن المسلم، في المجتمع العربي ذي الأغلبية المسلمة. المسيحيون مسؤولون أن يحملوا رسالة الانجيل وبشراه وقيمه في هذا المجتمع، لكي تكون الكنيسة حاضرة وشاهدة وخادمة في هذا المجتمع ومشاركة فيه ومتفاعلة معه.

ورأى أن المناخ الملائم لكل هذه العناصر السابق ذكرها، وهي التعددية والعيش المشترك ومع ما ذكر حولهما، المناخ الملائم هو السلام في المنطقة. السلام العادل والشامل والثابت الكفيل بانهاء الصراع الإسرائيلي ـ العربي.

ولاحظ أنه إذا كانت البلاد العربية وإذا كان المواطنون المسلمون حريصين على التعددية، وعلى العيش المشترك، ويُهمِّهم أن يبقى المسيحيون في المنطقة، فلا بدَّ من أن يتمتّع المسيحيون بالمواطنة الكاملة وبجميع الحقوق المترتِّبة عليها. ولا بدّ للدول العربية من أن تجمع كلمتها وتوحّدها لكي تفرض حلاً حضاريًا سلميًا عادلاً للقضية الفلسطينية، مؤكداً إنه إذا لم يتم الأمر، وفي مستقبل قريب منظور، فنزيف الهجرة سيستمر، وستزيد الحركات الأصولية والإسلامية، ويزيد العنف والإرهاب ويقع الشباب المسلم فريسة سائغة في حبائلها. ومعنى ذلك أنّنا سنخلّف لأجيالنا العربية الشابة الطالعة إرثًا مظلمًا، ومستقبلاً قاتمًا. وسيفقد المجتمع العربي الإسلامي مقوِّمات التعددية والعيش المشترك. وستتحقَّق نبوءة صراع الحضارات والثقافات والأديان.

وختم بالقول: "السلام هو اليوم التحدّي الأكبر! والجهاد الأكبر والخير الأكبر! والنصر الحقيقي والضمانة الحقيقية لمستقبل الحرية والكرامة والتقدم والازدهار والأمن والأمان لأجيالنا الطالعة، ولشبابنا، مسيحيين ومسلمين، وهم مستقبل أوطاننا وصانعو تاريخها وحاملو لواء الإيمان والأخلاق فيها".