صاحب الغبطة يوسف
كلمة بمناسبة ذكرى حبرية قداسة البابا والذكرى العاشرة لزيارة الراحل يوحنا بولس الثاني
كلمة غبطة البطريرك
غريغوريوس الثالث لحَّام
في ذكرى حبريَّة قداسة البابا بندكتوس السَّادس عشر
وبمناسبة مرور عشر سنوات على زيارة
قداسة البابا الرَّاحل يوحنَّا بولس الثاني إلى سورية (2001)
ورفع صلوات الشكر لأجل إعلانه طوباويًّا
في الأوَّل من أيَّار 2011
دمشق، كاتدرائيَّة سيِّدة النِّياح
بطريركيَّة الرُّوم المَلَكيِّين الكاثوليك
حارة الزَّيتون، الأحد 15 أيَّار 2011
أصحاب السِّيادة ممثِّلي الطَّوائف المسيحيَّة
سعادة السَّفير البابوي بدمشق
أيُّها الإخوة والأخوات!
المسيح قام! حقًّا قام!
نجتمع اليوم أسرةً واحدة، رؤساء الكنائس المسيحيَّة وسعادة السَّفير البابوي، والكهنة والرُّهبان والرَّاهبات والمؤمنون والمؤمنات، والمشاركون معنا من ممثِّلي الدَّولة وسفراء الدُّول الأحبَّاء...
نجتمع اليوم أسرةً واحدة
أوَّلاً لنقدِّم التهاني لقداسة البابا بندكتوس السَّادس عشر المتقدِّم بالمحبَّة، والذي تربطنا به شراكةٌ كنسيَّةٌ روحيَّةٌ وإيمانيَّة كاملة. مقرونةً بالمحبَّة والتَّقدير وأطيب الأماني بالذِّكرى السَّادسة لجلوسه على السُّدَّة البطرسيَّة في رومة المترأسة بالمحبَّة.
إنَّنا نشكره على محبَّته وسهره ورسائله وتعاليمه النيِّرة حول الإيمان والرَّجاء والمحبَّة موضوع رسائله الأساسيَّة. ولأجل رسائله الدَّاعية إلى السَّلام والحرِّيَّة والعدالة، ومحبَّة الفقير والمظلوم والمقهور والوقوف إلى جانبه، لأنَّه كريمٌ لدى الرَّبّ، ومخلوقٌ على صورته ومثاله. ولا ننسى دعوته لربط الإيمان بالعلم والعلم بالإيمان، بحيث يبقى الله في قلب الإنسان، ومساعيَه لأجل كرامته وخلاصه وفدائه.
وأُحبُّ أن أذكر مقطَعين من رسالته حول السَّلام للعام 2009. وقد أوردتُهما في رسالتي بمناسبة الفصح المجيد 2011:
"كلُّ شكلٍ من أشكال الفقر، يجد جذوره في غياب احترام كرامة الشخص البشريّ المتسامية. وعندما لا يُعتَبَرُ الإنسانُ في كامل دعوته، ولا تُحترَمُ مُقتضياتُ بيئةٍ بشريَّةٍ حقيقيَّة، تتفجَّر آليَّاتُ الفقر الشرِّيرة".(الرِّسالة، رقم 2)
"إنَّ الجماعة المسيحيَّة، أمانةً منها لدعوة سيِّدها، لن تكِلَّ في توفير عونها للأسرة البشريَّة بكاملها، وفي دعم وثبات التضامن الخلاَّق، لأجل تغيير أنماط الحياة وأساليب الإنتاج والاستهلاك، والبنيات السُّلطويَّة القائمة على تسوُّس المجتمعات المعاصرة" (الرَّقم 15)
وفي هذه الكلمات برنامج عمل للكنيسة، وللبلاد العربيَّة التي تجتاحها رياح المعارضة والثورة. وهي كلمات نصوغها صلاةً لأجل بلدنا الحبيب سورية ولأجل قائدها رئيس الجمهوريَّة الدُّكتور بشار الأسد.
ثانيًا نرفع الشكر معًا في هذا اليوم لله ولقداسة البابا بندكتوس السَّادس عشر، لأنَّه أعلن سلفه البابا يوحنَّا بولس الثاني طوباويًّا، في الأوَّل من أيَّار 2011، وكنتُ حاضرًا الاحتفال برومة، باسم كنيسة سورية والبلاد العربيَّة والأرض المقدَّسة. إنَّه حقًّا بابا السَّلام والحوار والمحبَّة والأخوَّة الإنسانيَّة العالميَّة الشاملة، التي عبَّر عنها في لقاء أسيزي الشهير قبل خمس وعشرين عامًا. إنَّه بابا الشباب! بابا الأمل والمستقبل، الذي بدأ حبريَّته بهاتَين العبارتَين الخالدتَين:
"إفتحوا أبوابكم للسَّيِّد المسيح"
"لا تخافوا"
ونحتفل اليوم بالذِّكرى العاشرة لزيارته وحجِّه إلى بلدنا الحبيب سورية ولقائه مع رئيسنا الدُّكتور بشار الأسد، في مطلع ولايته في أيَّار عام 2001. ويسرُّني أن أذكر بعض مقاطع من كلماته أثناء هذه الزِّيارة التاريخيَّة:
من كلماته إلى السُّوريين يوم زيارته لنا عام 2001:
إنَّني إذ أصلُ إلى دمشق "دُرَّةُ الشرق"، أعي بعمقٍ أنَّني أزور أرضًا عريقة، لعِبَت دورًا حيويًّا في تاريخ هذه المنطقة. إسهام سورية الأدبي والفنِّي والاجتماعي في ازدهار الثقافة والحضارة هو أمرٌ معروف.
أتيتُ كحاجٍّ مؤمن.
الآن يتَّجه فكري وقلبي إلى شخص شاوول الطَّرسوسي، الرَّسول العظيم بولس، الذي تغيَّرت حياته للأبد على طريق دمشق. إنَّ رسالتي كأسقف رومة مرتبطةٌ بشكلٍ خاصّ، بشهادة القدِّيس بولس التي تكلَّلت باستشهاده في رومة.
كيف أستطيع أنْ أنسى المساهمة العظيمة، التي أدَّتها سورية والمنطقة المجاورة، في تاريخ المسيحيَّة؟ هنا عاشت جماعات مزدهرة منذ فجر المسيحيَّة. في الصَّحراء السُّوريَّة ازدهرت الحياة الرَّهبانيَّة المسيحيَّة. إنَّ أسماء سوريِّين أمثال القدِّيس أفرام، والقدِّيس يوحنَّا الدِّمشقي تبقى أبدًا محفورةٌ بالذاكرة المسيحيَّة. كما أنَّ بعض أسلافي قد وُلِدوا في هذه المنطقة.
يتَّجه فكري أيضًا إلى التأثير الثقافي العظيم الذي قام به الإسلام في سورية، ذاك الذي، في عهد الخلفاء الأمويِّين، وصل إلى أبعد شواطئ البحر الأبيض المتوسط. اليوم، في عالمٍ يزداد تشعُّبًا وتفاعلاً، هناك حاجة إلى روحٍ جديدةٍ للحوار، وللتعاون بين المسيحيِّين والمسلمين. معًا نعترف بالإله الواحد الأحد، خالق البرايا بأسرها. معًا يجب أن نعلن للعالم أنَّ اسم الإله الواحد هو "اسم سلام ودعوة إلى السَّلام" (الألف الجديد الوشيك، 55).
عندما يتردَّد صدى كلمة "سلام" في قلوبنا، كيف لنا ألاّ نفكِّر بالتشنُّجات والصِّراعات التي تعصف، منذ زمن، بمنطقة الشرق الأوسط؟ لقد بان الرَّجاء مرارًا، إلا أنَّه، كلَّ مرَّةٍ، كان يغرق في موجات عنفٍ جديدة. لقد أكَّدتم، يا سيادة الرَّئيس، بحكمةٍ، أنَّ السَّلام العادل والشامل يصبُّ في مصلحة سوريا العليا. أنا واثق بأنَّ سوريا، بقيادتكم، لن توفِّر جهدًا في العمل من أجل انسجامٍ وتعاونٍ أكبر بين شعوب المنطقة، تحقيقًا لخيورٍ دائمة، ليس فقط لبلدكم، بل أيضًا لبلدانٍ عربيَّة أخرى وللمجموعة الدُّوليَّة بأسرها .
من كلمة الطُّوباوي في كاتدرائيَّة الرُّوم الأرثوذكس:
زيارتي إلى سورية هذه تعيدُني فعلاً إلى فجر الكنيسة، إلى عهد الرُّسل والجماعات المسيحيَّة الأولى.
كمْ من مرسَل انطلق من سورية نحو الشرق، متَّبعًا حركة التبشير التي صارت في ما بين النَّهرَين وما يليها من الأصقاع حتى كيرالا في الهند. الكنيسة في الغرب أوَ ليست هي الأخرى مدينةً لرعاةٍ عديدين من أصلٍ سوريّ فكانوا فيها أساقفة، والبعضُ منهم أسقفًا على رومة؟ فليكن اسم الرَّبِّ ممجَّدًا من أجل الشهادة والإشعاع الذي أدَّته بطريركيَّة أنطاكيا القديمة .
منذ بضعة أسابيع فقط، غمرنا الفرح لاحتفالنا بعيد الفصح في اليوم ذاته. لقد عشتُ هذه المصادفة المفرحة لعام 2001، كدعوة ملحّة من العناية الإلهيّة، موجَّهة إلى كلِّ الكنائس والجماعات الكنسيَّة، من أجل أن تعيِّد، دون إبطاء، الاحتفال المشترك بعيد الفصح، وهو عيد كلِّ الأعياد، وسرُّ إيماننا الأساسي. أبناء كنائسنا يطالبون، عن حقّ، بألَّا يكون الاحتفال بعيد الفصح عامل انقسام. لقد أعلنت الكنيسة الكاثوليكيَّة، منذ المجمع الفاتيكاني الثاني، تأيِّيدها لكلّ محاولةٍ قادرة على إعادة الاحتفال المشترك بعيد الفصح. إلَّا أنَّ هذه المحاولة تبيَّنت أكثر صعوبةً مما كان متوقَّعًا. ربّما علينا أن نفكِّر بمراحل تمهيديَّة أو متعدِّدة، لتهيئة النفوس والقلوب بغية تطبيق تقويم، يرضى به جميع مسيحيِّي الشرق والغرب. يعود للبطاركة والأساقفة في الشرق الأوسط أن يتحمَّلوا معًا هذه المسؤولية تجاه كنائسهم في مختلف بلدان هذه المنطقة. قد ينبعث من الشرق الأوسط وينتشر دفعٌ جديدٌ، وإيحاءٌ جديدٌ في الموضوع .
من كلمته في قدَّاس ملعب العباسيين:
إنَّني أتيتُ اليومَ إلى دمشق حاجًّا، لكي أُحيي ذكرى حدثٍ جرى هنا، منذ ألفَيّ سنة: هو حدثُ اهتداءِ القدِّيس بولس.
فتراءى له على الطريق يسوع القائم من الموت. تحت تأثير هذا اللِّقاء تغيَّر بولس تغييرًا جذريًّا: فمِن مضَّطهِد تحوَّلَ إلى رسول، ومن مُعادٍ للإنجيل إلى مرسَل .
الحدث الخارق الذي جرى ، ليس بعيدًا من هنا، كان جازمًا لمستقبل بولس والكنيسة .
على مثال بولس، يواجه تلاميذ المسيح تحدِّيًا كبيرًا: لزامٌ عليهم أن ينقلوا البشرى السَّارَّة بلغةٍ تناسبُ كلَّ ثقافة، دون أن يضيع منها الجوهر، أو يتغيَّر فيها المعنى. فلا تخافوا إذن أن تشهدوا أنتم أيضًا، بالكلام وبكلِّ حياتكم، للبشرى السَّارَّة هذه، بين إخوتكم وأخواتكم: إنَّ الله يحبُّ جميع النَّاس، ويدعوهم لأن يؤلِّفوا عائلةً واحدةً في المحبَّة، لأنَّهم جميعًا إخوة!
هذه البشرى السَّارَّة يجب أن تحثَّ جميع تلاميذ المسيح لأن يفتِّشوا، بكلِّ غَيرة، عن سُبُلِ الوحدة. حتى إذا ما جعلوا خاصَّتهم صلاة المسيح "ليكونوا بأجمعهم واحدًا" يؤدُّون شهادةً أكثرَ أصالةً ومصداقيَّة. سرَّتني كثيرًا العلاقات الأخويَّة القائمة بين أعضاء الكنائس المسيحيَّة في بلادكم، وإنِّي أشجِّعكم على تطويرها في الحقِّ والفطنة، متَّحدين ببطاركتكم وأساقفتكم.
في فجر الألف الجديد، المسيح ينادينا لنعود إلى بعضنا البعض بالمحبَّة التي تصنع وحدتنا. كونوا فخورين بتقاليد ليتورجيَّة كنائسكم الشرقيَّة الرُّوحيَّة العظيمة! فهي تعود في أصولها إلى تقليد كنيسة المسيح الواحدة، وتشكِّل جسورًا بين مختلف المشاعر. منذ فجر المسيحيَّة عرفت أرضكم حياةً مسيحيَّةً مزدهرة. ففي المسار الرُّوحي للقدِّيسين أغناطيوس وأفرام وسمعان ويوحنَّا الدِّمشقي والعديد من الآباء والرُّهبان والنُّسَّاك والقدِّيسين، الذين هم حقًّا مجد كنائسكم، يبقى هذا الازدهار حاضرًا في ذاكرة الكنيسة الجامعة. بتجذُّركم في أرض الأجداد وبقبولكم السَّخي في عيش إيمانكم عليها، تغدون بدوركم شهودًا لخصوبة الرِّسالة الإنجيليَّة التي نُقِلتْ من جيلٍ إلى جيل .
عليكم، مع جميع مواطنيكم، من دون تميِّيز وبغضِّ النَّظر عن انتمائهم، أن تواصلوا بلا هوادة، جهودكم من أجل بناء مجتمع أخوي حقيقي متضامن، يلقى فيه كلُّ واحدٍ احترامًا لكرامته الإنسانيَّة وحقوقه الأساسيَّة.
لا شكَّ أنَّ انقسام المسيحيين هو عائق في طريق إعلان الإنجيل. والأكثر من ذلك، فإنَّ الحركة المسكونيَّة ليست فقط مسألة داخليَّة في الجماعات المسيحيَّة، بل إنَّها تتعلَّق أيضًا بحبِّ الله للبشريَّة جمعاء في يسوع المسيح. الوقوف عائقًا أمام هذه المحبَّة هو إهانة لله في تصميمه على جمع الناس في المسيح. لا شكّ أنَّ العيش، على مدى عصور، بكلِّ هذا القرب من المسلمين، يُتيح للمسيحيين في سوريا أن يفهموا العلاقة الحميمة بين وحدة الجماعة والشهادة النابعة من الشراكة الأخويَّة.
الإسهام في رفع الثِّقة بمستقبل وطنكم هو إحدى أهمِّ الخدمات التي يمكن للكنيسة أن تؤدِّيها للمجتمع. إنَّ وسيلة عمل أخرى هي تشجيع المسيحيين على التضامن بمشاركة صعوبات شعبكم وآلامه. إنَّ تأثيركم على الشبيبة كبير: خاطبوا قلبهم السَّخيّ، اشرحوا، صحِّحوا، شجِّعوا. وبالأخصّ إزرعوا فيهم، بمثلكم الشخصي، القناعة بأنَّ القيَم المسيحيَّة، قيَمَ القلب والرُّوح، قادرةٌ أكثر من أيِّ خيرٍ مادِّيّ على إسعاد الإنسان. أنقلوا إلى شبيبتكم مثالاً إنسانيًّا ومسيحيًّا واجعلوهم يكتشفون، على قول كاتب الرِّسالة إلى ديونيت، أنَّ "المكانة التي خصَّهم الله بها، هي من النُبل ما لا يسمح لهم بالهروب منها".
وددتُ أيضًا لو أنَّ حجِّي على خطى مار بولس منح لي فرصة زيارة معابد مكرَّمة على اسم العذراء مريم أمّ الله، مثل مزار صيدنايا، القريب من هنا، أو مزارات حمص وحلب وطرطوس وغيرها. لن أنسى بأنَّه بالقرب من طرطوس، حسب تقليد تَقَوي، أنَّ بطرس الرَّسول، وهو في طريقه من أورشليم إلى أنطاكية، سالكًا طريق ساحل البحر الأبيض المتوسِّط، يكون قد كرَّس معبدًا على اسم مريم، وبأنَّ هذا المعبد يكون هو الأوَّل بين المعابد المريميَّة في سورية.
من كلمته في بطريركيَّة الرُّوم المَلَكيِّين الكاثوليك (لقاء مع البطاركة والمطارنة 6/5/2001)
أيَّتها العائلات المسيحيَّة، إنَّ الكنيسة تعتمدُ عليكم وتثقُ بكم، لتنقلوا إلى أولادكم الإيمان الذي تسلَّمتموه عبر الأجيال، منذ أيَّام بولس الرَّسول. ففي بقائكم متَّحدين ومنفتحين على الجميع، وبدفاعكم الدَّائم عن الحقِّ في الحياة منذ الحَبَل، أمكثوا دومًا خلايا إشعاع، متوافقةً تمامًا مع تصميم الله ومع المتطلِّبات الحقيقيَّة لكلِّ كائنٍ بشريّ! إفسحوا المجال كبيرًا في حياتكم للصَّلاة وللإصغاء إلى كلام الرَّبّ وللثقافة المسيحيَّة، ففيها تجدون سندًا قويًّا للإجابة على مصاعب الحياة اليوميَّة وتحدِّيات عالم اليوم الجسيمة.
الهويَّة المسيحيَّة ليست في معاداة الآخرين، بل في القدرة على الخروج من الذَّات والذهاب لملاقاة الأخوة. إنَّ الانفتاح على العالم، بوضوحٍ وبدون خوف، هو جزءٌ من دعوةِ المسيحي، الواعي لهويَّته والمتأصِّل في تقليده الرُّوحي، الذي يُعبِّر عن غنى شهادة الكنيسة.
إنَّ انتماءكم إلى الكنيسة يجب أن يكون، لكم ولجميع إخوتكم وأخواتكم، علامة رجاء، تُذكِّر بأنَّ الرَّبّ يلتقي كلاًّ منَّا على طريقه الخاصّ، غالبًا ما بنوعٍ سرِّي وغير منتظر، كما التقى بولس على طريق دمشق، وأحاطَهُ بنوره الباهر.
عسى الرَّبُّ القائم من الموت، الذي احتفل جميع المسيحيين بعيد قيامته سويَّة، هذه السَّنة، يؤتينا عطية المشاركة في المحبَّة.
من كلمته في كاتدرائيَّة السُّريان الأرثوذكس:
لنُصلِّ، بقلبٍ واحدٍ وفكرٍ واحد، في سلام المسيح القائم من الموت، مُصغين إلى دعوة اللاهوتي والصُّوفي السُّوري الكبير أبي الفرج الذي حثَّ المؤمنين على "قلع جذور العداوة بين المسيحيين في عمق قلوبهم" (كتاب الحمامة، 4)
هنا نرى ميزتَين أساسيَّتَين من رسالة الكنيسة: طاعة شجاعة لكلمة الرَّبّ، واستعداد للغفران والمصالحة.عندما يتدخل الله، يصبح المستحيل ممكنًا. هي رسالتنا أن نقول نعم لإرادة الله الخلاصيَّة، وأن نقبل تصميمه غير المدرك بكامل كياننا .
الصَّلاة والثبات في وجه التجارب هما ميزتان أخريان لدعوتنا كتلاميذ للمسيح. الصَّلاة وحمل الصَّليب والخضوع لإرادة الله واحترام كلّ إنسان كأخ أو أخت لنا، تُضحي، ربَّما اليوم أكثر من أيِّ وقتٍ مضى، صفات أمانتنا لله. باتِّباعنا هذا سنكون على خطى "سحابٍ من الشهود" (عبرانيين 12/1) يضمُّ أعدادًا لا تحصى من الرُّهبان والرَّاهبات الذين سبقوكم في هذه البلاد.
لقد شاءت العناية الإلهيَّة أن تطبع، بالعمق، الشرق الأوسط بكامله بحضارة الحياة الرَّهبانيَّة السُّوريَّة وبشهادتها المتَّقدة.
من كلمته في الجامع الأموي:
اجتماعنا في مكان الصَّلاة الشهير هذا، يذكِّرنا أنَّ الإنسان كائنٌ روحيّ مدعوّ إلى الاعتراف بأولويّة الله المطلقة وإلى احترامها. يُجمع المسيحيُّون والمسلمون على أنّ اللقاء مع الله في الصَّلاة هو غذاءٌ ضروريّ للنفس. بدونه يذبل القلب ولا تقوى الإرادة على النضال في سبيل الخير، بل ترضخ للشرّ.
في الجوامع وفي الكنائس، يصوغ المسلمون والمسيحيُّون هويَّتهم الدِّينيّة. وفيها يتلقّى الشباب قسمًا كبيرًا من تربيتهم الدِّينيّة. فما مدلول الهويّة الذي يُلقَّن للشبيبة المسيحيَّة والإسلاميَّة في الكنائس وفي الجوامع؟ رجائي الحارّ أن يقدِّم المسؤولون الرُّوحيُّون ومعلِّمو الدِّين، المسلمون والمسيحيُّون، ديانتَينا العظيمتَين كديانتَين ملتزمتَين بحوارٍ يسوده الاحترام لا ديانتَين متصارعتَين. إنَّه من الأساسيّ أن يُلقَّن الشباب سبل الاحترام والتفاهم، لئلا يُسيئوا استعمال الدِّين نفسه لإثارة الحقد والعنف وتبريرهما. العنف يهدم صورة الخالق في خلائقه، فحذارِ من اعتباره ثمرة قناعةٍ دينيَّة.
إنَّ الفهم المتبادل الأفضل سوف يؤدِّي بالطَّبع، على المستوى العملي، إلى أسلوبٍ جديدٍ لإظهار أنَّ ديانتَينا ليستا متعارضتَين، كما حدث مرارًا كثيرة في الماضي، بل متفقتَين من أجل خير العائلة الإنسانيَّة.
كوننا أعضاء في العائلة الإنسانيَّة الواحدة ومؤمنين، علينا واجبات نحو الخير العام، ونحو العدالة ونحو التضامن. الحوار بين الأديان يؤدِّي لا محالة إلى أنواعٍ شتَّى من العمل المشترك، خاصَّةً في القيام بواجب الانتباه إلى الفقير والضعيف. هذه هي علامة صدق عبادتنا لله .
من كلمته في بطريركيَّة الرُّوم الكاثوليك (لقائه مع الشباب 7/5/2001):
أيُّها الشباب الأعزَّاء، إنَّكم تعيشون فترةً تضيقُ بارتياباتٍ وأسئلة، لكنَّ المسيح يدعوكم ويبعث فيكم الرَّغبة إلى جعل حياتكم ما هو أعظم وأجمل، وإلى التصميم على اتباع مَثَلٍ أعلى، ورفض الاستسلام إلى التفاهة، والشجاعة في الالتزام بصبرٍ ومثابرة.
لا تخافوا أن تعطوا وقتًا للتفكير مع أناسٍ ناضجين للتباحث بجدِّيَّةٍ حول الخيارات التي عليكم أن تأخذوها، والتي تفترض الإصغاء إلى المسيح. إنَّه يدعوكم إلى اتِّباعه على دروبٍ متطلِّبة، دروبِ الشهادة الشُجاعة، خدمةً للقيَمِ التي تستحقُّ أن يعيش الإنسان ويبذل حياته من أجلها: الحقيقة والإيمان وكرامة الإنسان والوحدة والسَّلام والمحبَّة، بمعونة المسيح وكنيسته، ستصبحون كلَّ يوم، رجالاً ونساءً أحرارًا ومسؤولين عن وجودهم، أناسًا يريدون المشاركة الفعَّالة في حياة كنيستهم، وفي العلاقات مع الجماعات الدِّينيَّة والإنسانيَّة، وفي بناء مجتمعٍ دومًا أكثر عدالة وأخوَّة .
أحبُّوا جماعاتكم الكنسيَّة التي تنقل إليكم إيمانًا وشهادة، غالبًا ما دَفع أجدادُكم ثمنها غاليًا. هذه الجماعات تعتمد على شجاعتكم وعلى قداستكم فهُما الأساس لكلِّ مصالحةٍ حقيقيَّة. عسى أن يتردَّد صدى صلاة المسيح في قلوبكم كدعوةٍ وكوعد: "ليكونوا واحدًا". يتميَّز بلدكم بالتعايش بين مختلف فئات الشعب. إنَّني أُقدِّر هذا التعايش المسالم والمتضامن، وأتمنَّى أن يشعر الجميع بأنَّهم جزءٌ فاعل في الجماعة، وأنَّ بإمكانهم ضمنها، بكلِّ حرِّيَّة، أن يؤدُّوا قسطهم من العمل من أجل الخير العام .
كونوا، حيث أنتم، شهودًا أُمناء "لكلمة" الحياة. هي حضوركم الدَّائم ومشاركتكم في حياة الرَّعيَّة وفي الحركات الرَّسوليَّة، وانتباهكم الأخوي المتضامن مع كلِّ المتألِّمين في النفس والجسد، والتزامكم المسؤول في بناء مجتمع يحترم حقوق الجميع وينمِّي الخير العام والسَّلام. أيَّها الشباب المسيحي: اشهدوا "لإنجيل المحبَّة". يا شباب سورية الأحبَّاء: ابنوا "حضارة المحبَّة". أستودعكم هذه التوجيهات بثقةٍ بالغةٍ، وأملٍ كبير .
أُكرِّر عليكم بحرارةٍ الدعوةَ التي وجَّهتُها إلى شبيبة العالم بمناسبة اليوبيل الكبير: "لا تخافوا أن تكونوا قدِّيسي الألف الجديد! مع يسوع الرَّب، تصبح القداسة، التي هي برنامج الله لجميع المعمَّدين، ممكنة. إنَّ يسوع يسير معكم، إنَّه يُجدِّد قلبكم ويشدِّدكم بقوَّة روحه (نداء بمناسبة اليوم الشبيبة العالمي الخامس عشر، 3).
من كلمته لدى مغادرته دمشق:
أشكر القدِّيس بولس الذي رافقني في سفري خطوةً فخطوة .
إنَّني أُصلِّي من أجل أن يدوم ويتعزَّز تقليد سورية العريق في العلاقات الطَّيِّبة بين المسيحيين والمسلمين، شهادةً للعالم أجمع، بأنَّ الدِّين، الذي هو العبادة للّه القادر على كلِّ شيء، يزرع بذار السَّلام في قلب الشعوب. ففي جوابه على نداءات الإنسان العميقة، يُغني الدِّين العائلة الإنسانيَّة، ويوحِّدها في مسيرتها عبر التاريخ .
سورية أرضٌ عريقةٌ وماضٍ مجيد. وهي من ناحيةٍ أخرى بلادٌ فتيَّة، استطاعت في وقتٍ قصيرٍ نسبيًّا وفي ظروفٍ صعبة، أن تحقِّق الكثير. صلاتي في هذا الحج أن تخطو سورية، بثقةٍ وهدوء، نحو غدٍ جديدٍ وواعد، وأن تنعم بزمنٍ من البحبوحة والطمأنينة يأتي على شعبها بأسره.
وحدَه السَّلام العادل قادرٌ أن يوفِّر الفرص اللازمة للنمو الاقتصادي والثقافي والاجتماعي الذي هو من حقِّ جميع شعوب المنطقة" (ختام كلمات البابا) .
أيُّها الإخوة والأخوات الأحبَّاء!
هذه الكلمات تناسب واقعنا في سورية الحبيبة، وتناسب ذكرى هذا اليوم 15 أيَّار: ليس هو يوم النَّكبة! بل يوم التصميم العربي الشامل، لأجل العمل، لأجل السَّلام العادل والشامل في الأرض المقدَّسة، ولأجل الاعتراف بحقِّ الشعب الفلسطيني بأرضه وحرِّيَّته ودولته وعاصمته.
ونطلب من الطُّوباوي يوحنَّا بولس الثاني أن يكون شفيعًا للبلاد العربيَّة، ولبلدنا سورية ولرئيسه، ولجميع أبناء وبنات هذا الوطن، لكي يعودوا إلى حبِّهم السُّوري العريق، وتجتاز سورية هذه المحنة الصَّعبة، وتعود ترفرف في ربوعها وتحت سمائها الصَّافية الزرقاء أعلام المحبَّة والأخوَّة والأُلفة والصَّداقة، والعيش السُّوري المشترك!
وبهذه المناسبة نتذكَّر معاني هذه الصَّلاة الخاشعة، التي تحتوي على التوجُّهات التي تحتاج إليها سورية، لا بل بلادنا العربيَّة كلُّها.
لا تزال كلمات قداسة البابا الطُّوباوي يوحنَّا بولس الثاني، تحمل طابعًا آنيًّا محلِّيًّا وإقليميًّا وعالميًّا في هذه الأيَّام العصيبة، وفي هذه الثورات والأزمات التي تجتاح عالمنا العربي منذ مطلع هذا العام 2011 الذي سيبقى تاريخًا مأساويًّا في ذاكرة العالم العربي.
وأُنهي كلمتي داعيًا إيَّاكم لكي نُصلِّي معًا الصَّلاة التي رفعها الطُّوباوي البابا يوحنَّا بولس الثاني في القنيطرة أثناء زيارته لها يوم الإثنين 7 أيَّار 2011.
(الصَّلاة في القنيطرة، يتلوها الحاضرون مناوبةً).
+ غريغوريوس الثّالث
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والاسكندريّة وأورشليم
للرُّوم الملَكيِّين الكاثوليك