صاحب الغبطة يوسف

كلمات الطوباوي البابا يوحنا بولس الثاني إلى اللبنالنيين 2006

١٨ ٢ ٢٠٠٦




 

كلمات الطوباوي البابا يوحنا بولس الثاني إلى اللبنالنيين
 

قداسة البابا يوحنا بولس الثاني لبنان حبًا مميزًا. وواكب الحرب اللبنانية "الكبرى" وكان إلى جانب اللبنانيين. وعقد مجمعًا فريدًا لأجل لبنان. مع أن المجامع تُعقد عادة لأجل قارّة أو مجموعة بلاد. ونادرًا لأجل بلد وبخاصة بحجم لبنان. وعقد المجمع في روما لإبراز أهميته. وشارك فيه بالإضافة إلى اللبنانيين من كل الطوائف، غير اللبنانيين وأبدوا آراءَهم. وعلى الأثر وكنتيجة لهذا المجمع أصدر قداسته الوثيقة الشهيرة "رجاء لأجل لبنان". وأصبحت مبادئها على ألسنة الجميع واستشهد بها الجميع، مسيحيون ومسلمون وسنة وشيعة ودروز ومن كل الأحزاب...
وأصبحت وكأنها شرعة لبنان الحديثة والحديث! وكأنها "طائف" آخر...
ثم زار لبنان تلك الزيارة التاريخية والتقى به مباشرة حوالي نصف اللبنانيين والتقى بكل قادته الدينيين والروحيين ورموزه وأحزابه وخاطبهم خطاب المحبة. وأطلق على لبنان شعارًا قديمًا وجديدًا وفريدًا ونبيلاً: "لبنان رسالة"!
وهذه بعض المقاطع من الوثيقة:
"إن حوارًا حقيقيًا بين مؤمني الأديان التوحيدية الكبرى يرتكز على الاحترام المتبادل... وهذه المهمة المشتركة ملحّة بشكل خاص، للبنانيّين المدعوين بشجاعة إلى مسامحة بعضهم البعض، واخماد خلافاتهم وعداوتهم، وتبديل ذهنياتهم، حتى ينمو التآخي، والتضامن في إعادة بناء مجتمع مؤهل باطراد للعيش المشترك".
"ليس الحوار الإسلامي – المسيحي حوارًا بين مثقفين فقط، فهو يهدف، أولاً إلى تشجيع العيش معًا بين مسيحيّين ومسلمين، في روح من الانفتاح والتعاون لا بدَّ منه، ليتمكّن كل منهم من الشعور بالرضى باعتماده في حرية الخيارات التي يُمليها عليه ضميره القويم. ومتى تعلّم اللبنانيّون أن يتعارفوا جيدًا ويرضوا رضى كاملاً بالتعدّدية، وفّروا لنفوسهم الشروط الضرورية لإقامة الحوار الحقيقي، واحترام الأشخاص والعيال والجماعات الروحيّة."
"بودّي أن أشدّد بالنسبة إلى مسيحيّي لبنان، على ضرورة المحافظة على علاقاتهم التضامنيّة مع العالم العربي وتوطيدها. وأدعوهم إلى اعتبار انضوائهم إلى الثقافة العربية، التي أسهموا فيها اسهامًا كبيرًا، موقعًا مميّزًا، لكي يُقيموا هم وسائر مسيحيّي البلدان العربية، حوارًا صادقًا وعميقًا مع المسلمين."
"واللبنانيون كسائر الشعوب، لأنهم يحبّون أرضهم حبًا خاصًا، هم مدعوّون إلى الاهتمام ببلدهم، والمحافظة دونما كلل على الأخوّة، وبناءِ نظام سياسي واجتماعي عادل ومنصف، يحترم الأشخاص وجميع الاتجاهات التي يتألف منها البلد، ليبنوا معًا بيتهم المشترك."
"وهذا يفترض تجاوزَ السلوك الأناني باستمرار، للعيش في تجرّد قد يذهب إلى حدّ انكار الذات، بغية قيادة الشعب بكامله إلى السعادة بحس إدارة الشأن العام."
"إنَّ حياة الأخوة والتضامن، داخلَ المجتمع الوطني، تفترض ألا يتصوّر أحدٌ أن موقعه الخاص يحتمل أن يسوغ له البحث عن امتيازات له أو لطائفته، بإبعاد الآخرين، وهي تقوم على التأكيد أن لكلِّ أحد شرعًا، دوره في الحياة الاجتماعية والسياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة والنقابيّة، في الأمانة لتقاليده الروحيّة والثقافيّة، طالما لا يتعارض ذلك والصالح العام ولا يهدّد الحياة الوطنيّة."
"حينئذن يتمكّن لبنان، الجبلُ السعيدُ الذي رأى شروق نورِ الأمم، وأمير السلام، من أن يُزهر كليًا من جديد، ويلبي دعوته بأن يكون نورًا لشعوب المنطقة وعلامة للسلام الآتي من الله."

من منطلق رسالتنا الروحية نحبُّ أن نذكر أحباءَنا اللبنانيين وكلّهم أحباؤنا واخوتنا في هذا الوطن الرسالة؛ نحب أن نذكرهم ببعض مقاطع رسالة قداسته الأخيرة في يوم السلام العالمي في مطلع عام 2005 وعنوانها: "لا تنغلب للشر! بل إغْلِب الشر بالخير."
"وإذا بحثنا عن مركباته العميقة نرى أن الشر في نهاية المطاف هو التملص المأسوي من مقتضيات المحبة".
"أيمكن الشخص أن يحقق ذاته كليًا بالتجرد عن طبيعته الاجتماعية أي عن كونه "مع" و"من أجل" الآخرين؟"
"في ختام سنة اليوبيل الكبير لعام 2000 وفي الرسالة الرسولية "الألف الجديد الذي بدأ" ألمحت إلى ضرورة موهبة المحبة لنشر إنجيل الرجاء في العالم".
"لا يمكن الرجال والنساء من ذوي الإرادة الطيبة أن يتقاعسوا عن واجب محاربة الشر بالخير. إنها معركة تستخدم سلاح المحبة".
نورد هذه المقتطفات علّها تحرك قلوب أحبائنا اللبنانيين وبخاصة المسؤولين والزعماء، وعلّها تصل إلى آذان من هو وراء هذه الظروف المأسوية والمآسي والضحايا... إنها صرخة قداسته وصرخة ضميرنا وقلبنا وهي تعبِّر عن موقفنا تجاه ما يجري في لبنان.
هلاّ سمع اللبنانيون هذه الكلمات فتنطبق عليهم طوبى يسوع لسامعيه: "طوبى لآذانكم لأنها تسمع وطوبى لعيونكم لأنها تبصر" وماذا عساه يقول رحمه الله لو تابع أخبار لبنان في هذه الأشهر الأخيرة وسمع الخطابات والاتهامات والتخوينات والعبارات والشتائم والأوصاف التي نسمعها في هذه الأيام؟ الشتيمة تنعكس على صاحبها. فَمَا ينجّس الانسان هو الذي يخرج منه. إن أبسط قواعد الأخلاق السياسية هو احترام الذات وإن احترام الآخر هو من احترام الذات. فكيف يسمّي البعض أنفسهم قادة وهم لا يحترمون ذواتهم ويتفوهون بما يهين الآخر. فصفة القائد الأساسية استيعاب الآخرين.
إننا لن نكفَّ ندعو الجميع لجعل عنوان وثيقة المجمع لأجل لبنان شعار اللبنانيين كلها "رجاء لأجل لبنان" ولتكن كلمة قداسته الشعار الآخر: "لبنان رسالة!"
هاتان الكلمتان هما الفصل في الظروف الراهنة. ونأمل أن تؤلفا الميثاق اللبناني في العام 2007! إنّه ميثاق مزدوج: رجاء لأجل لبنان، ولبنان الرسالة فليكن هذا الكيثاق النور الذي يضيئ النفق الذي يتردَّى فيه لبنان.

لا فشل! ولا يأس! ولا طريق مسدود! ولا حواجز من "بلاستيك"! لا شيئ من ذلك أمام الإنسان المؤمن بالله وبالإنسان وبقيم الإيمان التي هي وحدها الكفيلة أن تسدِّد طريق اللبنانيين وجميع اللبنانيين لأجل مستقبل أفضل لهم جميعًا.

نحن في زمن الصوم المبارك. وقد أصدرتُ رسالة بهذه المناسبة عنوانها: الصوم درب الصليب والقيامة.
نأمل أن يصل اللبنانيون كلهم ومعًا إلى حلّ يكون لبنانيًا. ويحقِّق ما قاله السيد المسيح واصفًا رسالته المقدسة: "إنما أتيت لكي تكون لهم الحياة، وتكون لهم أفضل".

وهكذا نسير معًا بالرغم من المآسي وعبر الصليب إلى أفراح القيامة.

 

غريغوريوس الثالث
      بطريرك