صاحب الغبطة يوسف
رسالة الفصح 2005
رسالة صاحب الغبطة البطريرك غريغوريوس الثالث
في عيد القيامة المجيدة 1/3/2005
"القيامة والإفخارستيّا"
المسيح فصح جديد وذبيحة حيّة
يُطلُّ علينا فجر عيد القيامة البهيج في جوّ سياسيّ مكفهرّ في المنطقة العربيّة، وقد أصبحت في الأسابيع موضوع وسائل الإعلام اليوميّ. ولذا نحن بأشدّ الحاجة إلى أجواء العيد والفرح والأمان.
وهذا ما يدفعنا إلى أن نخاطب إخوتنا وأبناءنا وجميع رعايانا لا بل جميع المواطنين، بكلمات الإيمان والرجاء والمحبّة، في عيد قيامة ربنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح.
فالمسيح هو الفصح، هو القيامة والحياة، وهو الذبيحة الحيّة التي نتناولها في عيد القيامة المجيدة. على نحو ما يدعونا القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم في خطبة أحد القيامة قائلاً: "إفرحوا اليوم! تمتّعوا كلّكم بوليمة الإيمان. تمتّعوا بوفرة الصلاح."
الإفخارستيّا هي الفصح الدائم، الجديد، المتجدد، فالمسيح هو الذبيحة الحيّة التي نحتفل بها في الليترجيا الإلهيّة. لا بل إنّ الافخارستيّا هي التدبير الخلاصي بأسره الذي أتمّه السيّد المسيح في حياته على هذه الأرض، بحيث أنها تحقق مراحل الخلاص كلّها. فهي تذكّرنا بالميلاد المجيد، وبالظهور الإلهي والعماد في نهر الأردنّ، وببشارة يسوع وتعاليمه وعجائبه وأمثاله. لا بل تُحضِرُ أمام أعيننا آلامه الخلاصيّة وصلبه وموته المحيي وقيامته الثلاثيّة الأيام، وصعوده إلى السماء ومجيئه الثاني المجيد المنتظر.
هذا ما تُردِّده صلوات ليترجيّا القداس الإلهيّ، حيث نقرأ: "لقد تمّ وانتهى على قدر طاقتنا سرُّ تدبيرك أيّها المسيح إلهنا. فقد حصلنا على تذكار موتك. ونظرنا رسم قيامتك. وامتلأنا من حياتك التي لا نهاية لها. وتمتّعنا بنعيمك الذي لا ينفد". ونصلّي أيضًا: "إننا نذكر وصية المخلّص (أي الاحتفال بالإفخارستيّا) وكل ما جرى لأجلنا: الصلب والقبر والقيامة في اليوم الثالث. والصعود إلى السماوات. والجلوس عن اليمين. والمجيء الثاني المجيد أيضًا". وننشد كذلك: "لقد نظرنا النور الحقيقي وأخذنا الروح السّماويّ ووجدنا الإيمان الحقّ. فلنسجد للثالوث الغير المنقسم لأنه خلّصنا."
وهذا ما ترددّه خدمة عيد جسد الربّ الذي هو عيد غربيّ. ولكن كنيستنا أعطته حلّة شرقيّة أصليّة: "أعجب العجائب كلّها أن يُرى الإله بجسدٍ. وأعجب من ذلك كثيرًا أن يشاهد على الصليب معلّقًا. أمّا مجموع العجائب كافة فهو وجوده الفائق الإدراك تحت الأعراض السريّة. فحقًا أيها المسيح إلهنا، إنّك صنعت بهذا السرّ العظيم ذكرًا لعجائبك كلّها".
القيامة والإفخارستيّا واحد: السيّد المسيح معنا، يسمع نداءنا كما لبّى دعوة تلميذَي عمّاوس: "إبق معنا" أنت الفصح الدائم! أنت الذبيحة الحيّة.
هكذا يرافقنا المسيح القائم، في سرّ محبته في الإفخارستيّا على دروب حياتنا، وبخاصة من خلال الأسرار المقدّسة التي كان الاحتفال بها يجري في أثناء ليترجيّا القدّاس الإلهيّ. المسيح يأتي إلينا في الأسرار كما يأتي إلينا في الإفخارستيّا وكما نستقبله في ذكر قيامته. بالمعموديّة نلبس المسيح ونوافق على محبّته والإيمان به وقبوله في حياتنا. المسيح القائم هو الذي يجمع بين المرتبطين بسرّ الزواج المقدّس. والمسيح الحيّ هو الذي بنعمة روحه القدّوس يُكمِّل الناقصين ويملأهم من نعمة الكهنوت المقدّس، فيغذّون الشعب المؤمن بخبز الحياة الذي يقود من يتغذّى منه إلى الحياة الأبديّة.
فالإفخارستيّا والقيامة مرتبطتان: الإفخارستية هي يسوع القائم من بين الأموات، قاهر الشر والخطيئة والموت. الإفخارستيّة هي رباط الوحدة بين عائلاتنا وأجيالنا وأبرشياتنا ورعايانا، نحتفل بها بورع وإجلال ودقّة ونظام وجمال في جميع أرجاء بطريركيتنا في البلاد العربية وفي بلاد الانتشار.
الإفخارستيّا هي المسيح الحيّ فينا، يساعدنا على التضامن فيما بيننا لأجل محاربة الفقر ومتابعة ورشة الإنماء في جميع مرافق أبرشياتنا ورهبانياتنا وجمعياتنا الخيريّة. والإفخارستية هي المسيح الحيّ الذي يوحّد بين القلوب ويكشف لنا أهمية دورنا في خدمة الوحدة بين المسيحيين. كما يساعدنا في القيام بدورنا المميّز في عالمنا العربي ذي الغالبية الإسلامية، بصفتنا كنيسة عربية، كنيسة العرب بل كنيسة المسلمين والإسلام. وكنيسة كل إنسان، كنيسة بلا حدود.
هذه رسالة المسيح القائم من بين الأموات والحيّ معنا في الإفخارستية المقدّسة. إنه يوجِّه إلينا دعوته التي وجَّهها إلى رسله قبل صعوده إلى السماء: "إذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلّها" (مرقس 16: 15).
إنَّ اكتشاف رسالتنا في الداخل، في "كنيستنا"، في "رعيتنا". وفي الخارج، مع باقي الكنائس، ومع المسلمين، وفي المجتمع والعالم أجمع، هو خير مشجِّع لنا وينبوع قوّة وشجاعة أمام ما ذكرنا في مطلع رسالتنا من عوامل اليأس أو الإحباط أو التقوقع أو التشنّج أو الأنانية أو انحسار الرؤية والآفاق.
إنَّ المسيح القائم من بين الأموات نافضًا ظلام الألم والعذاب والحقد والكراهية والبغض والانتقام والخطيئة، هو الذي نستقبله في الإفخارستيّا، سرّ الجماعة المؤمنة. إنه المسيح نفسه القائم والحيّ في سرّ المناولة المقدسة. وهو حافز لنا للانخراط في مجتمعنا، في الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية والوطنيّة. فالمؤمنون هم خير من يخدمون أوطانهم بإخلاص وغيرة وتجرّد ونجاح وتفوُّق. إلى هذا كلّه ندعو إخوتنا الأساقفة الأحبّاء وأبناءنا الكهنة والشمامسة والرهبان والراهبات.
يُشبّه يوحنا الذهبيّ الفم المسيحيين بقوّة الأسود فيقول: "إنَّ المسيحيين يخرجون من الكنيسة بقوّة مميّزة لأنهم تغذّوا بالإفخارستية المقدّسة خبز الأقوياء". ويسخّرون كلّ طاقاتهم والقوة المستمدّة من المناولة ومن المسيح القائم، في خدمة مجتمعهم ووطنهم ليبنوا معًا عالمًا جديدًا، عالم حوار الحضارات والثقافات، حضارة الله، حضارة المحبّة في أرض الناس.
إن تقدمنا بتواتر بالاستعدادات اللازمة إلى سرّ المناولة المقدّسة، يفعِّل في نفوسنا جميع الأسرار المقدّسة التي قبلناها في مراحل مختلفة من حياتنا. هكذا يغيّر الرب جسد حقارتنا، وتنمو حياته في نفوسنا، فنأتي بثمار كثيرة، هي ثمار الحياة الفاعلة بالمحبة والرجاء والإيمان والأعمال الصالحة والخدمات الشتّى التي يفجِّرها فينا المسيح الحي فينا، بحيث نقول مع بولس الرسول: "أنا حيٌّ لا أنا بل المسيح حيّ فيَّ". "وما أحياه في الجسد إنما أحياه بالمسيح الذي أحبني وبذل نفسه عنّي" (غلاطية 2: 21-22).
عيد القيامة ليس لنا فقط! ندعو الله أن يكون قيامة لأوطاننا ولشعوبنا، ولجميع مواطنينا في البلاد العربية،وبخاصة لفلسطين أرض القيامة وللعراق انطلاق النبؤات.
نقول للسيّد المسيح: إبقَ معنا! ونطلب إليه أن يبقى مع هذا العالم الذي هو بأمس الحاجة إلى حضوره، حضور المحبة والخير والبركة.
وبأمل ورجاء ومحبّة نردّد هتاف هذا العيد المجيد:
المسيح قام! حقًا قام!
غريغوريوس الثالث
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والإسكندرية وأورشليم